بوغوتا – لم تمضِ سوى فترة وجيزة على تولي الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييلا مهامه، حتى أحدث قرار حكومته الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية تحولاً لافتاً في السياسة الخارجية لبوغوتا، وفتح في الآن ذاته مواجهة سياسية داخل البرلمان الكولومبي، بعدما أعلن نحو أربعين نائباً رفضهم للخطوة واعتبروها خروجاً عن المواقف التي تبنتها البلاد في مراحل سابقة.
وأثار القرار، الذي وصفه الجانب المغربي بـ«التاريخي»، ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياسية الكولومبية، حيث أصدرت مجموعة من أعضاء الكونغرس بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه أن الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء يمثل، بحسب تعبيرها، «فضيحة دبلوماسية»، مدعية أن هذا التحول لا يعكس مواقف فئات من الرأي العام الكولومبي.
ورأى النواب المعترضون أن قرار الحكومة يشكل تحولاً عن توجهات سابقة للسياسة الخارجية الكولومبية، خاصة في ظل إعادة الرئيس السابق غوستافو بيترو، خلال سنة 2022، العلاقات مع ما يسمى بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، بعد سنوات من تجميدها.
غير أن الإدارة الجديدة في بوغوتا اختارت توجهاً مغايراً، يقوم على إعادة ترتيب أولوياتها الدبلوماسية والانفتاح على شراكات جديدة، في مقدمتها تعزيز العلاقات مع المغرب، في سياق إقليمي ودولي يشهد تنامياً متواصلاً للدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، باعتبارها أساساً جاداً وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي حول الصحراء.
وفي المقابل، لم يخفِ الجانب المغربي ارتياحه لهذا التحول، حيث اعتبر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن القرار الكولومبي يشكل محطة مهمة في مسار العلاقات بين الرباط وبوغوتا، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الثنائي في عدد من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
ومن المرتقب أن يمنح هذا التقارب زخماً جديداً للشراكة المغربية الكولومبية، خصوصاً في قطاعات التجارة والاستثمار والأمن الغذائي والتعاون الاقتصادي، إلى جانب تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين.
ويكشف الجدل الذي أعقب القرار داخل البرلمان الكولومبي أن ملف الصحراء ما يزال حاضراً بقوة في النقاش السياسي الداخلي لبعض بلدان أمريكا اللاتينية، غير أن المواقف البرلمانية المعارضة لا تملك، في حد ذاتها، قوة إلزامية لتغيير التوجه الذي اختارته السلطة التنفيذية في مجال السياسة الخارجية.
كما أن هذا التطور يعكس التحولات المتسارعة التي تعرفها مواقف عدد من الدول في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي تجاه قضية الصحراء المغربية، في ظل اتساع دائرة الدول الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، أو المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لإنهاء هذا النزاع الذي عمر طويلاً.
وبينما تحاول الأصوات المعارضة داخل الكونغرس الكولومبي تحويل القرار إلى موضوع مواجهة سياسية داخلية، تراهن الرباط وبوغوتا على تجاوز هذا الجدل وفتح صفحة جديدة في علاقاتهما الثنائية، تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي، في خطوة قد تمنح الحضور المغربي في أمريكا اللاتينية دفعة دبلوماسية إضافية.









