الخياطــي هاشــم
في زمنٍ لم تعد فيه القيم الإنسانية مرجعاً للعلاقات، باتت المصلحة هي الحَكم الأول في تعامل الناس مع بعضهم البعض. خفت وهج العلاقات الاجتماعية المبنية على الحب والتسامح، وتآكلت جذور الإنسانية تحت وطأة الأنانية وحب الذات. اليوم، أصبح كل شيء مرهونًا بما يُمكن أن يُقدمه الآخر، وما إن تنتهي المصلحة حتى تسقط الأقنعة وتنقطع الصلات.
لقد بات واضحًا أن شريعة المصلحة تسود، فالصداقة ليست سوى علاقة مؤقتة تبدأ بحاجة وتنتهي بانتهائها. هذه الظاهرة لم تعد استثناء، بل توجّهًا عامًا في مجتمعاتنا، حيث بات الكثيرون ينظرون إلى العلاقات كوسائل للوصول، لا كروابط قائمة على الودّ والصدق والرحمة.
المصلحة في جوهرها ليست مرفوضة، إذا ما سارت جنبًا إلى جنب مع قيم المحبة والاحترام والتكافل. لكنها حين تتجرد من هذه القيم، تتحول إلى استغلال فجّ يُفرغ العلاقة من معناها، ويحوّل المجتمع إلى غابة يتسابق فيها الأفراد على تحقيق غاياتهم ولو على أنقاض الآخرين.
المؤلم في الأمر أن هذه الأنماط السلوكية باتت شائعة: صديق اليوم قد يصبح غريب الغد، فقط لأن دوره في مسرح المصلحة قد انتهى. والابن قد يتنكر لأبيه، والأخ لأخيه، في مشهد من التفكك الأخلاقي والاجتماعي، يعكس غياب القيم واستبدالها بأنماط سلوكية هجينة تُضعف الروابط وتُفقد العلاقات معناها الحقيقي.
أصحاب المصالح يتسلّقون على أكتاف غيرهم، يجيدون فنون التملق والانتهازية، يوزّعون الوعود ويُجيدون الكلام المعسول، ثم يختفون كما لو لم يكونوا. لا يؤمنون بفكرة أو مبدأ، بل يتغيّرون كما الحرباء بحسب ما تقتضيه مصالحهم. هؤلاء لا يُمكن الوثوق بهم، لأنهم ببساطة لا ينتمون إلا لمصالحهم.

وحتى إن كانت قدرتنا على تجنب هؤلاء محدودة، فالحقيقة أن الزمن كفيل بكشفهم. الأقنعة لا تدوم، والمواقف تُعرّي النوايا، ولن يبقى من هؤلاء سوى الذكرى السيئة والندم لدى من خُدعوا بهم.
إنه واقع مرير، لكن الاعتراف به هو الخطوة الأولى نحو إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية التي وحدها تضمن لنا مجتمعًا متماسكًا، لا تحكمه المصالح الزائلة، بل تحكمه روابط الأخوة والرحمة والوفاء.
إن خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في العلاقات الفردية، بل تمتد لتصيب بنية المجتمع كله. فعندما تصبح المصلحة هي البوصلة، تنهار الثقة، وتصبح العلاقات هشّة، سرعان ما تنكسر مع أول امتحان حقيقي. يغدو التفاعل الإنساني مشروطًا، وتتحول قيم الإيثار والعطاء الصادق إلى مفاهيم غريبة، لا تجد لها مكانًا وسط صخب الأنانية والانتهازية.
أجيال تنشأ في بيئة كهذه مهددة بفقدان المعنى الحقيقي للانتماء والولاء، لأن القدوة التي تراها حولها تقدم دروسًا يومية في الوصولية، لا في النزاهة. ويصبح من الطبيعي أن تنجرف هذه الأجيال بدورها نحو سلوكيات مشابهة، في دوامة لا تنتهي من السطحية والأنانية وفقدان الروح الجماعية.
وفي مؤسسات المجتمع، من الأسرة إلى العمل إلى السياسة، تتكرر النماذج نفسها: من يسعى إلى السلطة من أجل المنفعة لا من أجل الخدمة، ومن يتخذ المواقف تبعًا لما يجنيه لا تبعًا لما يؤمن به. ومع كل هذا، لا يبقى للقيم مكان، ولا يسمع لصوت المبادئ وسط ضجيج المصالح.
لكن، ورغم هذا المشهد القاتم، لا يزال هناك أمل. فالأقنعة وإن طال ارتداؤها، لا بد لها أن تسقط. والحقائق، مهما تأخرت، لا بد أن تظهر. فالزمن، كما يُقال، كاشف للوجوه، وممحّص للنيات.
علينا إذن أن نعيد النظر في كيف نبني علاقاتنا، وألا نخجل من الإيمان بالقيم حتى في عالم يسخر منها. فالأصالة لا تبلى، والوفاء لا يُهزم. فلنحرص على أن نكون ممن يظلون على العهد، حتى وإن خذلنا الآخرون. لنجعل من محبتنا صدقًا لا تبادلًا، ومن علاقاتنا سندًا لا وسيلة.
ففي زمن الأقنعة، يُصبح الصدق ثورة، والوفاء بطولة.








