أكد محمد المهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل، أن مشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ما يزال في طوره التشريعي، ولم يصل بعد إلى محطته النهائية. الوزير شدد، خلال عرضه مضامين المشروع أمام لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين صباح الاثنين، على أن النص في صيغته الحالية يحمل جوانب إيجابية وأخرى قابلة للنقاش، لافتاً إلى أن السلطات المقبلة مطالَبة بمواصلة تحسين الإطار القانوني المؤطر للمجال الإعلامي.
وأوضح بنسعيد أن التجربة السابقة التي أُدرجت ضمن مدونة الصحافة والنشر انطلقت بروح مشجعة، غير أن مسار التنظيم الذاتي كشف عن نقائص وملاحظات عديدة. وأضاف أن التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع الإعلامي تفرض إعادة النظر في الآليات وتكييفها مع المستجدات، مؤكداً أن النموذج المغربي يظل متميزاً عن باقي التجارب الدولية، حيث يحرص على مبدأ الانتخاب، في وقت تلجأ فيه غالبية الدول إلى التعيين المباشر.
ويحمل المشروع تعديلات جوهرية، أبرزها إحداث جهاز جديد تحت مسمى “الجمعية العامة”، يضم جميع أعضاء المجلس، ويُناط به المصادقة على برنامج العمل السنوي، الميزانية، النظام الداخلي، وميثاق أخلاقيات المهنة، إلى جانب إبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الصلة بالقطاع. كما نص على نقل صلاحية البت في قرارات العزل من المجلس إلى الجمعية العامة، وتوسيع وسائل التبليغ، وتقليص أجل الاستدعاء من 15 إلى 7 أيام، فضلاً عن منع إعادة الترشح بالنسبة إلى الأعضاء الذين يثبت في حقهم الغياب المتكرر أو الإخلال بالمهام.
أما في ما يتعلق بالعقوبات، فقد شدد النص الجديد على نشر القرارات التأديبية بعد صيرورتها نهائية مع إدراجها في سجل خاص، بما يعزز مبدأ الشفافية ويمكّن الرأي العام من تتبع المخالفات المهنية. كما أكد على تجريم ممارسة الصحافة بعد سحب البطاقة المهنية، مع فرض عقوبات زجرية منصوص عليها في التشريع الخاص بالصحافيين المهنيين، وإلزام رئيس المجلس بإخبار النيابة العامة في حال رفض المعني بالأمر تسليم بطاقته بعد قرار السحب.
ويأتي هذا النقاش في سياق وطني يتجه نحو إصلاح المنظومة الإعلامية وتجويد شروط الممارسة الصحافية، وسط ترقب الفاعلين في الحقل لما ستسفر عنه المناقشات البرلمانية من تعديلات وتوافقات.
منذ إحداث المجلس الوطني للصحافة، قُدم النموذج المغربي كتجربة فريدة تراهن على التنظيم الذاتي، بعكس معظم الدول التي تعتمد آلية التعيين المباشر. غير أن التطبيق العملي أبان عن صعوبات:
ـــ انقسامات داخلية بين مكونات المجلس عطلت اتخاذ قرارات جوهرية.
ـــ ضعف آليات الزجر في مواجهة المخالفات المهنية، ما جعل العقوبات تفتقد للفعالية.
ــ غياب موارد مالية كافية ضيّق من قدرة المؤسسة على أداء مهامها.
هذه الملاحظات دفعت الحكومة إلى التفكير في إعادة هيكلة الإطار القانوني، بما يضمن صلابة أكبر وقدرة أوضح على الضبط والتنظيم.
خلفيات سياسية ومهنية
ــ سياسياً: يتزامن النقاش مع تحولات إقليمية ودولية تجعل من ضبط الخطاب الإعلامي أداة أساسية في معارك الصورة والرأي العام.
ــ مهنياً: صعود الصحافة الرقمية وتراجع الصحافة الورقية فرضا إعادة النظر في الإطار القانوني لمواكبة التطور التكنولوجي.
ــ مؤسساتياً: تعثر التجربة السابقة خلق قناعة لدى الحكومة بضرورة التدخل لإعادة التوازن، ولو على حساب بعض صلاحيات التنظيم الذاتي.
بين الإصلاح والتوجس
في الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن هذه التعديلات تسعى إلى تجويد الممارسة وتعزيز الشفافية، يعبر جزء من الجسم الصحافي عن تخوفه من أن تتحول إلى آلية تقييد جديدة قد تضعف الاستقلالية التي كان يُفترض أن يكرسها المجلس.
وبين هذين المنظورين، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل نحن أمام إصلاح يعزز مهنية الإعلام المغربي ويحصنه من الانزلاقات، أم أمام مدخل لإعادة ضبط المشهد وفق حسابات سياسية؟ الجواب سيكشفه المسار التشريعي والتطبيق العملي للنص في السنوات المقبلة.








