هاشــم الخياطــي
اتسع النقاش الدائر حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليشمل قضية تخليق الحياة السياسية، بعدما رفعت بعض الأحزاب المعارضة مطالب واضحة باستبعاد كل المترشحين الذين تحوم حولهم شبهات فساد أو متابعات قضائية من دخول غمار المنافسة الانتخابية.
وترى هذه الأحزاب أن السماح لهؤلاء بالترشح لا يمس فقط بمصداقية العملية الانتخابية، بل يضرب في العمق نزاهة المؤسسات الدستورية، ويضعف ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي برمته. فحسب تعبيرها، فإن تجديد النخب السياسية لا يكتمل ما لم يُقرن بصرامة في مراقبة الأهلية الأخلاقية والقانونية للمترشحين.
ويرى متابعون أن مطلب الإقصاء المسبق للمشبوهين قضائياً أو أخلاقياً، يطرح إشكاليات قانونية مرتبطة بقرينة البراءة وضمان الحقوق الدستورية للأفراد، لكنه في المقابل يعكس حالة من القلق المجتمعي المتزايد من تكرار أسماء ارتبطت بملفات مثيرة للجدل في المشهد السياسي.
ويعتبر المدافعون عن هذا التوجه أن تعزيز الثقة بين الناخب والمؤسسات لن يتحقق ما لم يتم القطع مع الممارسات التي جعلت بعض المجالس التمثيلية مرتعاً لشبهات الفساد وسوء التدبير. وفي المقابل، يرى آخرون أن الحل يكمن في إصلاحات أعمق، تتعلق بالشفافية في التمويل الانتخابي، وتحصين القضاء من أي تدخل، وتفعيل آليات الرقابة بعد انتخاب المسؤولين.
وبين هذا الرأي وذاك، يبقى النقاش مفتوحاً حول الصيغة الأمثل لتخليق الحياة السياسية، بما يضمن في الوقت نفسه نزاهة الاستحقاقات المقبلة، واحترام الحقوق الدستورية للمواطنين، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة كأداة حقيقية لخدمة الصالح العام.
إن توسيع دائرة النقاش ليشمل تخليق الحياة السياسية، يعكس تحولا لافتا في أولويات الفاعلين السياسيين والهيئات المدنية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على البرامج الاقتصادية والاجتماعية، بل أصبحت ترتبط بشكل مباشر بنزاهة الأشخاص الذين سيتولون المسؤولية التشريعية أو التدبيرية.
ويؤكد مراقبون أن هذه الدعوات تلتقي مع مطالب مجتمعية ظلت تُرفع منذ سنوات، مفادها أن محاربة الفساد السياسي تبدأ من بوابة الترشيحات، وأن الناخب لا يمكنه استعادة ثقته في الانتخابات طالما ظل يرى الوجوه نفسها المتورطة في قضايا مشبوهة تعود من جديد عبر صناديق الاقتراع.
لكن في المقابل، يطرح هذا الطرح إشكالات عميقة مرتبطة بمدى توافقه مع الدستور والقوانين الجاري بها العمل، خاصة ما يتعلق بقرينة البراءة وحق الترشح المكفول لجميع المواطنين ما لم يصدر في حقهم حكم قضائي نهائي. وهو ما يجعل المشرع أمام معادلة دقيقة بين حماية الحقوق الفردية وضمان نزاهة المؤسسات المنتخبة.
ويرى بعض الفاعلين الحقوقيين أن الحل قد يكون في تعزيز صلاحيات القضاء الانتخابي وتمكينه من البت السريع في الطعون المرتبطة بنزاهة المترشحين، بدل اللجوء إلى إقصاء مسبق قد يثير جدلا قانونيا ودستوريا. كما يقترح آخرون سن قوانين أكثر صرامة بخصوص التصريح بالممتلكات وتمويل الحملات الانتخابية، حتى لا يتحول المال المشبوه إلى وسيلة للعودة إلى الساحة السياسية.
في كل الأحوال، فإن النقاش الدائر اليوم حول تخليق الحياة السياسية يشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وفتح الباب أمام إصلاحات أعمق قد تُسهم في تجديد النخب، واستعادة ثقة الناخب في العملية الديمقراطية، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى فضاء فعلي لخدمة الصالح العام بعيداً عن منطق الامتيازات الشخصية أو شبوهات الفساد.









