نحن الذين مررنا في حياة الآخرين كنسمةٍ عابرةٍ، لكنها تركت أثرها في الروح، نحن الذين لم نكن نسعى إلى أن نكون بدائل لأحد، ولا نسخًا من أحد، لأننا ببساطة نعرف من نحن، ونعرف قيمتنا. قد لا نكون الأفضل في حياة كل من عرفنا، لكننا كنا الأصدق، والأوفى، والأكثر حضورًا في لحظات الانكسار، كنا السند حين ابتعد الجميع، وكنا الضوء حين غاب الأمل، والأهم من كل ذلك أننا كنا حقيقيين.
العطر الحقيقي ليس ماء الورد، ولا رائحة الأزهار، بل هو نبضُ قلوبٍ مفعمةٍ بالطيب، وأرواحٍ تنثر عبيرها في كل دربٍ تمرّ به. هو عبير المودّة، ونسيم التسامح، ورفق الصفاء، واحترام الآخرين. فالعطر الذي يبقى بعد الغياب، هو السيرة الحسنة التي تظل تسبق أسماءنا أينما ذُكرت، هو الجوهر الذي لا يذبل، مهما تغيّرت الوجوه وتبدلت الملامح.
في زمنٍ تتشابه فيه الأقنعة، يبقى الأصليون نادرين. أولئك الذين لا يبدّلون ملامحهم لينالوا رضا أحد، ولا يتقمّصون شخصياتٍ لا تشبههم. كن أنت كما أنت، فالعالم لا يحتاج نسخة مكررة من أحد، بل يحتاج حضورك أنت، بطريقتك، بصدقك، بفرادتك.
احفظ كرامتك، وامضِ في طريقك بثقةٍ وهدوء، لا تنتظر تصفيقًا من أحد، ولا تسمح لأحدٍ أن يتحكم في مصيرك. تذكّر دائمًا: حتى ظلك يتخلى عنك حين تغيب الشمس، فكيف ترجو الثبات ممن لا يعرف معنى الوفاء؟
كُن أنت أو لا تكن… لأننا نحن — الفرص الضائعة التي لا تتكرر، والقلوب التي لا تُنسى، والعطر الذي يبقى، مهما رحل الجسد.







