بنك المغرب يشهر سلاح الاستقرار ويثبت سعر الفائدة عند 2.25 في المائة
الخبير أمزيل: القرار خطوة سيادية تؤمن كلفة الاستثمارات الضخمة ومشاريع “مونديال 2030
أنوار لاركو
في خطوة سيادية تؤكد قوة ومناعة الاقتصاد الوطني وتثبت قدرته على المناورة في قلب العواصف الجيوسياسية العالمية، اتجهت أنظار كبار المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، الثلاثاء 23 يونيو 2026، نحو الرباط؛ حيث أعلن مجلس بنك المغرب، عقب اجتماعه الفصلي الثاني، عن قراره الاستراتيجي بالإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي مستقراً عند مستوى 2.25 في المائة دون تغيير.
ويأتي هذا القرار الجريء ليرسل إشارة طمأنينة قوية وصريحة للأسواق، مفادها أن المغرب يختار بوعي كامل الانحياز لخيارات النمو، وتأمين كلفة الائتمان، ومواصلة ضخ السيولة في شريان المشاريع الكبرى متجاوزا إكراهات التضخم، التي تفرضها اضطرابات الشرق الأوسط وصدمات أسواق الطاقة التي رفعت أسعار المحروقات محليا بنسبة 27.6 في المائة خلال ماي الماضي.
وتؤكد الأرقام المحينة للمؤسسة النقدية، أن “النموذج المغربي” غدا محصنا بآليات دفاعية قادرة على تحييد تداعيات الأزمات واحتوائها. ويكشف تتبع مسار السياسة النقدية للمملكة، بناء على البيانات الرسمية لتسلسل تغيرات سعر الفائدة، أن هذا التثبيت يكرس مرحلة طويلة من الاستقرار المالي، فبعد أن استهل بنك المغرب سنة 2024 بتثبيت الفائدة عند 3 في المائة خلال شهر مارس، التقطت المؤشرات إشارات إيجابية قادت إلى خفض تدريجي بمقدار 25 نقطة في يونيو 2024، ليصل إلى 2.75 في المائة، تلاه خفض مماثل في دجنبر من نفس العام ليستقر في حدود 2.50 في المائة.
ومع حلول مارس 2025، أقر المجلس خفضا إضافيا بـ 25 نقطة أساس ليتراجع السعر الرئيسي إلى 2.25 في المائة. ومنذ ذلك التاريخ (مارس 2025)، يحافظ بنك المغرب بثبات صلب على هذا المعدل دون أي تغيير في اجتماعاته المتتالية بناء على استقرار معدلات التضخم، مما يجعل قرار يونيو 2026 حلقة جديدة في سلسلة حماية المكتسبات المايكرو-اقتصادية للمملكة.

وفي قراءة تحليلية لأبعاد هذا القرار، يرى مصطفى أمزيل، خبير معتمد في مجالات الابتكار والمالية والاقتصاد الدولي، أن خطوة بنك المغرب تتجاوز بكثير الإطار التقليدي للسياسة النقدية، لتشكل خيارا استراتيجيا ينخرط مباشرة في دعم النمو والتحول الاقتصادي الهيكلي للمملكة، تزامنا مع تسريع تنزيل النموذج التنموي الجديد.
وأوضح أمزيل، في تصريح لـ”أول نيوز”، أن هذا التثبيت المعتدل عند 2.25 في المائة، يعد “رسالة ثقة بالغة القوة موجهة للمستثمرين والأسواق الدولية”، لافتا إلى أن أهمية القرار تكمن في قدرته على خفض تكلفة رأس المال وتحسين مردودية الاستثمارات في وقت يعيش فيه المغرب دورة استثمارية غير مسبوقة، مشيرا في الوقت نفسه إلى المشاريع الضخمة المرتبطة بالبنيات التحتية، وتحلية المياه، والطاقات المتجددة، فضلا عن الأوراش الهائلة والمبرمجة لاستضافة كأس العالم 2030، والتي تتطلب شروط تمويل مرنة تضمن تدفق الاستثمارات دون تحمل أعباء تمويلية مفرطة.
وعلى مستوى النسيج الاقتصادي الوطني، أكد أمزيل، أن استقرار الفائدة يضمن استمرار العرض الائتماني البنكي بشروط ملائمة، وهو أمر حيوي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل أزيد من 90% من الاقتصاد المغربي وتعتمد بشكل أساسي على التمويل البنكي. كما أبرز الخبير الأثر الإيجابي للقرار على تخفيف أعباء خدمة الدين العمومي، مما يتيح للميزانية العامة هامشا أوسع لتوجيه الموارد نحو الأوراش الاجتماعية الكبرى كتعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية، فضلا عن إنعاش الطلب في قطاع العقار.
وفيما يخص صدمات أسواق الطاقة العالمية، يرى الخبير أنه بالرغم من عدم قدرة البنك المركزي على التأثير المباشر في الأسعار الدولية للمحروقات، إلا أن التثبيت ينجح في كبح التوقعات التضخمية محليا ويمنع انتقال موجات التضخم المستورد إلى بقية القطاعات، مما يكرس الاستقرار النقدي كـ “أصل اقتصادي” قائم بذاته يقلص حالة عدم اليقين لدى الفاعلين.
واختتم الخبير تحليله بالإشارة إلى أن التحدي الحقيقي للسنوات المقبلة يكمن في مدى تحقيق تنسيق أفقي فعال بين السياسات النقدية والمالية والصناعية والترابية، لتحويل هذه الدينامية النقدية المستقرة إلى مكاسب إنتاجية وتنافسية مستدامة تعزز رخاء المملكة لعقود قادمة.









