مع حلول الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، وخمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، عادت الشوارع التونسية لتتحول إلى ساحة مواجهة سياسية، بعدما خرج آلاف المتظاهرين في العاصمة وعدد من المدن للتعبير عن رفضهم للأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.
وتحوّل شارع الحبيب بورقيبة، القلب النابض للعاصمة تونس، إلى مركز رئيسي للاحتجاجات التي دعا إليها حراك “نفس”، بمشاركة أحزاب وشخصيات معارضة، من بينها حركة النهضة وفعاليات حقوقية ومدنية. ورفع المشاركون الأعلام الوطنية ورددوا شعارات تطالب بإسقاط النظام والإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلى جانب التنديد بتدهور الأوضاع الاجتماعية وارتفاع الأسعار والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، وذلك وسط انتشار أمني مكثف.
وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق انقسام سياسي حاد يعيشه البلد، حيث تعتبر قوى المعارضة أن مسار 25 يوليوز مثّل انقلاباً على التجربة الديمقراطية وأدى إلى تضييق الحريات وتعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في حين تتمسك السلطات بخياراتها، مؤكدة أن التدابير الاستثنائية كانت ضرورية لإنقاذ مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وإعادة الاستقرار.
وردد المحتجون هتافات من قبيل: “الشعب يريد إسقاط النظام” و”لا ماء ولا كهرباء… السجن والغلاء”، في رسالة تعكس حجم الغضب الشعبي من تراجع القدرة الشرائية واستمرار الأزمات اليومية التي تثقل كاهل المواطنين.
ومنذ انتخابه رئيساً للجمهورية سنة 2019 بأغلبية كبيرة، بنى قيس سعيّد شعبيته على وعود بمحاربة الفساد وقطع الطريق أمام الطبقة السياسية التقليدية. غير أن المعارضة ومنظمات حقوقية محلية ودولية تتهم السلطات خلال السنوات الأخيرة بتسجيل تراجع ملحوظ في مجال الحقوق والحريات، بعد صدور أحكام بالسجن في حق عدد من المعارضين، واعتقال سياسيين وصحافيين ومحامين وناشطين، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد.
وبالتوازي مع الأزمة السياسية، تواجه تونس ضغوطاً متزايدة بسبب موجة الحر وارتفاع الطلب على الكهرباء، ما تسبب في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي أثارت مخاوف واسعة، خاصة داخل المؤسسات الصحية التي وجدت نفسها أمام تحديات كبيرة في تقديم الخدمات.
وفي هذا السياق، أطلقت المنظمة التونسية للأطباء الشبان نداءً عاجلاً دعت فيه إلى التبرع بمراوح كهربائية لفائدة أقسام المستعجلات بمختلف المستشفيات، إضافة إلى توفير الثلج الغذائي للمساهمة في تبريد المرضى المصابين بضربات الشمس، كما وجهت دعوة إلى طلبة كليات الطب وعلوم وتقنيات الصحة والتمريض للتطوع داخل أقسام الطوارئ لمواجهة الضغط المتزايد على المنظومة الصحية.
وكان رئيس المنظمة، وجيه ذكار، قد كشف خلال الأيام الماضية، استناداً إلى معطيات أطباء شبان، أن موجة الحر الأخيرة تسببت في وفاة ما بين 150 و200 شخص، وهو ما زاد من حدة المخاوف بشأن قدرة القطاع الصحي على التعامل مع التداعيات الإنسانية للأزمة المناخية، في وقت تتداخل فيه التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتضع تونس أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.









