مستجدات

سبتة تستنجد بالجيش.. والشباب يستنجدون بالحلم! من يحرس الحدود من اليأس؟

[TOUTES LES ACTUALITÉS]31 يوليو 2026
سبتة تستنجد بالجيش.. والشباب يستنجدون بالحلم! من يحرس الحدود من اليأس؟

هاشــم الخياطــي

هناك أخبار تحتاج إلى قليل من الخيال حتى تستوعب غرابتها.

سبتة، تلك المدينة الصغيرة المحاصرة جغرافياً بين المغرب والبحر، وجدت نفسها هذه الأيام في حاجة إلى تعزيزات عسكرية لمواجهة موجة جديدة من محاولات الهجرة.

الجيش الإسباني يدخل على الخط، والحرس المدني في حالة استنفار، والحدود تتحول إلى منطقة أمنية مشددة، فيما شباب وقاصرون يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى بأي طريقة.

يا لها من مفارقة!

دولة أوروبية تستنفر جيشها أمام شباب لا يحملون دبابات ولا أسلحة، وإنما يحملون حلماً اسمه “أوروبا”.

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية.

الحرب على ماذا؟ على السياج أم على اليأس؟

مدريد تقول إن الأمر يتعلق بحماية الحدود.

والمغرب يشدد إجراءاته لمنع العبور غير النظامي.

والحرس المدني يراقب السواحل.

والقوات العمومية تنتشر في محيط الفنيدق.

وإذا اقتضى الأمر، هناك الجيش أيضاً.

كل شيء يبدو منظماً في الخطة الأمنية.

إلا شيئاً واحداً:

من سيواجه الأسباب التي تجعل شاباً يغامر بكل شيء من أجل عبور بضعة أمتار؟

هل نحتاج إلى مزيد من الكاميرات؟

ربما.

هل نحتاج إلى مزيد من الحواجز؟

قد يكون.

هل نحتاج إلى مزيد من الدوريات؟

بالتأكيد، إذا كان الهدف حماية الحدود.

لكن هل نحتاج أيضاً إلى شيء اسمه الأمل؟

هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً.

باب سبتة يتحول إلى “باب النجاة”!

المشهد في الفنيدق يكشف أن القضية لم تعد مجرد محاولة عبور حدود.

لقد أصبح باب سبتة، في مخيلة بعض الشباب، أشبه بـباب النجاة الأخير.

والمسافة القصيرة بين الفنيدق وسبتة تحولت إلى مسافة هائلة بين واقع لا يقنع بعضهم ومستقبل يتخيلونه خلف السياج.

في مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو أوروبا أحياناً مثل إعلان سياحي طويل:

شوارع نظيفة، سيارات فاخرة، وظائف، أجور، حياة جميلة…

أما الجانب الآخر من الصورة فلا يظهر كثيراً.

لا أحد يحدثك بما يكفي عن الغربة، وعن صعوبة الاندماج، وعن البطالة أيضاً، وعن التعقيدات القانونية، وعن واقع قد يكون أكثر قسوة مما تصوره شاشة الهاتف.

لكن عندما يصبح الواقع المحلي مثقلاً بالإحباط، تصبح الصورة الوردية أقوى من الحقيقة.

وهنا لا يعود السياج مجرد حديد.

يصبح السياج امتحاناً للأمل.

إسبانيا ترسل الجيش.. فمن سيرسل الأمل؟

هذه ربما أكثر مفارقات المشهد إثارة للسؤال.

إسبانيا قادرة على إرسال تعزيزات عسكرية.

المغرب قادر على تعزيز الانتشار الأمني.

الدولتان قادرتان على رفع مستوى التنسيق وإغلاق الثغرات.

لكن من يستطيع إرسال شيء آخر إلى الفنيدق؟

فرصة عمل؟

مشروع حقيقي للشباب؟

تكوين يفتح باب المستقبل؟

أفق يجعل فكرة الهجرة أقل إغراء؟

هنا لا توجد طائرات عسكرية.

ولا مدرعات.

ولا أسلاك شائكة.

هنا توجد فقط سياسات عمومية تحتاج إلى أن تجيب عن سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه:

لماذا يريد بعض الشباب المغادرة بأي ثمن؟

حين يصبح «الهروب» أقوى من “البقاء”

هذه هي الكارثة الحقيقية.

ليس أن شاباً حاول العبور.

بل أن فكرة العبور نفسها بدأت تتحول إلى حلم جماعي لدى بعض الفئات.

عندما يصبح الشاب مقتنعاً بأن مستقبله يوجد خلف البحر، فإن إغلاق الحدود لن يغلق الفكرة.

يمكن أن تمنعه اليوم.

وقد تمنعه غداً.

لكن إذا بقيت أسباب الإحباط قائمة، فسيبحث عن طريق آخر.

وهنا يصبح التعامل مع الهجرة مثل محاولة إفراغ البحر بكأس:

نعالج النتيجة، بينما المصدر مستمر في إنتاج المشكلة.

خراطيم المياه لا تغسل أسباب الهجرة

قد تكون تدخلات القوات العمومية ضرورية للحفاظ على الأمن ومنع الفوضى.

لكن لا ينبغي أن نخدع أنفسنا.

خراطيم المياه قادرة على تفريق تجمع.

القوات قادرة على منع الاقتراب.

السياج قادر على منع العبور.

لكن لا واحدة من هذه الوسائل قادرة على الإجابة عن السؤال الذي يحمله الشاب في رأسه:

“وماذا بعد؟”

ماذا بعد المدرسة؟

ماذا بعد الدبلوم؟

ماذا بعد البحث الطويل عن العمل؟

ماذا بعد سنوات الانتظار؟

وماذا بعد أن يرى الشاب على هاتفه كل يوم صور أشخاص يعيشون في أوروبا؟

إذا لم يجد جواباً مقنعاً، فلا غرابة أن يبدو له السياج أقصر من طريق الأمل.

المغرب لا يحتاج فقط إلى حراسة الحدود

لا أحد يجادل في حق الدولة في حماية حدودها.

ولا أحد يمكنه تبرير العبور غير القانوني أو المخاطرة بحياة القاصرين والشباب.

لكن الدولة التي تريد أن تمنع الهجرة لا تستطيع أن تكتفي بحراسة الحدود.

عليها أيضاً أن تحرس الأمل.

أن تجعل المدرسة طريقاً إلى المستقبل، لا محطة انتظار.

أن تجعل التكوين المهني فرصة حقيقية، لا مجرد شهادة إضافية.

أن تجعل سوق الشغل قادراً على استيعاب الشباب.

وأن تجعل المدن والمناطق التي يأتي منها هؤلاء الشباب قادرة على إنتاج فرص حقيقية، لا مجرد وعود موسمية.

والسؤال الذي يزعج الجميع: لماذا سبتة؟

لماذا هذه المدينة بالذات؟

لأنها قريبة.

قريبة جداً.

لدرجة أن أوروبا تبدو من بعض شوارع الشمال وكأنها على مرمى حجر.

لكن المشكلة ليست في القرب الجغرافي فقط.

المشكلة أن القرب البصري من أوروبا يكشف أحياناً حجم الفارق الذي يشعر به البعض بين الضفتين.

ولهذا فإن باب سبتة ليس مجرد باب حدودي.

إنه، في لحظات الأزمات، مرآة سياسية واجتماعية.

مرآة تكشف ما لا تظهره البيانات الرسمية.

وتكشف أن هناك جيلاً يريد أن يعرف شيئاً واحداً:

أين مستقبلي؟

بدل أن نسأل: كيف نمنعهم؟ فلنسأل: لماذا يريدون الرحيل؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب النقاش البرلماني، الحكومي .

لأن بناء سياج أعلى أسهل بكثير من بناء مستقبل أفضل.

وإرسال قوات إضافية أسهل من إصلاح سوق الشغل.

وتشديد المراقبة أسهل من إقناع شاب بأن النجاح ممكن هنا أيضاً.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الشاب والسياج.

المعركة الحقيقية بين اليأس والأمل.

إذا انتصر الأمل، فلن يحتاج الشاب إلى عبور الحدود.

وإذا انتصر اليأس، فلن يكفي حتى لو ارتفع السياج إلى السماء.

المشكلة ليست في باب سبتة فقط

قد يهدأ الفنيدق.

قد تتراجع الحشود.

قد تنجح القوات في منع محاولات العبور.

وقد تعود الحدود إلى هدوئها المعتاد.

لكن إذا بقي السؤال الكبير بلا جواب، فإن المشهد سيعود.

ربما غداً.

ربما بعد أشهر.

وربما بوجوه أخرى.

لأن الهجرة لا تبدأ عند السياج، بل تبدأ عندما يشعر الإنسان أن الأبواب أمامه مغلقة.

وإذا كانت إسبانيا قد قررت إرسال الجيش لحماية حدود سبتة، وإذا كان المغرب قد قرر تعزيز قواته لمنع العبور، فربما حان الوقت لطرح السؤال الأكثر جرأة:

من سيرسل إلى الشباب شيئاً أقوى من الجيش وأعلى من السياج؟

من سيرسل إليهم أملاً حقيقياً يجعلهم لا يرون في سبتة «باب النجاة»؟

فالحقيقة التي لا تحتاج إلى بلاغات ولا مؤتمرات صحفية هي أن:

السياج يمكنه أن يمنع العبور… لكنه لا يستطيع أن يمنع الحلم.

وإذا كان المطلوب فعلاً هو إنهاء «الهروب الكبير»، فربما آن الأوان ألا نكتفي بسؤال:

كيف نحرس الحدود؟

بل نسأل أيضاً:

كيف نحرس الشباب من اليأس؟

 

الاخبار العاجلة