تطويق المخالفات الرقمية والتلاعب بأصوات الناخبين
منع الدعاية يوم الاقتراع.. والفضاء الرقمي تحت المراقبة
تدخل الانتخابات التشريعية المغربية، المقرر إجراؤها اليوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، ساعاتها الحاسمة، في ظل مقتضيات زجرية مشددة ترمي إلى حماية نزاهة العملية الانتخابية وضبط مختلف الأفعال التي قد تؤثر في حرية الناخبين أو تعرقل سير الاقتراع.
ويستند الإطار القانوني الجديد إلى القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والذي صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.70 في يناير 2026، بعد أن أقرت المحكمة الدستورية مطابقته للدستور.
وتندرج هذه المقتضيات ضمن المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات التشريعية الحالية، التي حُدد تاريخ اقتراعها في الأربعاء 23 شتنبر 2026، بينما امتدت الحملة الانتخابية من الساعة الأولى ليوم 10 شتنبر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر.
ومن أبرز المقتضيات التي تكتسي أهمية خاصة يوم التصويت، منع نشر أو توزيع الإعلانات والمنشورات والوثائق الانتخابية خلال الفترة التي يحظر فيها القيام بالحملة، سواء بالوسائل التقليدية أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية وغيرها من الوسائط الحديثة.
ويمتد الإطار الزجري كذلك إلى المحتويات الرقمية التي يمكن أن تستهدف التأثير في سلامة العملية الانتخابية، بما في ذلك المحتويات المصطنعة أو المزيفة المرتبطة بالانتخابات، وهو ما يعكس دخول الفضاء الرقمي وأدوات التكنولوجيا الحديثة ضمن دائرة الأحكام القانونية المنظمة للمخالفات الانتخابية. وقد أضاف القانون التنظيمي 53.25 المادة 51 المكررة إلى القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.
وتشمل المقتضيات الزجرية أيضاً الموظفين العموميين ومأموري الإدارات والجماعات الترابية الذين قد يستغلون صفاتهم أو مهامهم للتأثير على الناخبين، من خلال توزيع منشورات أو برامج انتخابية أو دعوة المواطنين إلى التصويت لفائدة مترشح أو حزب معين.
وتترتب عن بعض هذه الأفعال عقوبات حبسية وغرامات مالية، بما يجعل الحياد المفترض في ممارسة الوظيفة العمومية جزءاً من الضمانات القانونية المحيطة بالعملية الانتخابية.
ولا يقتصر التشديد على المترشحين والفاعلين في الحملات الانتخابية، بل يشمل الناخب نفسه أيضاً.
فالقانون يجرّم عدداً من الأفعال المرتبطة بممارسة حق التصويت، من بينها التصويت رغم فقدان الحق فيه أو محاولة التصويت أكثر من مرة، مع اختلاف العقوبات بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به.
وبذلك يتحول يوم الاقتراع إلى لحظة قانونية دقيقة، يكون فيها احترام قواعد التصويت مسؤولية مشتركة بين الناخبين وأعضاء مكاتب التصويت وباقي المتدخلين.
ومن المقتضيات التي تهم الناخب مباشرة، القواعد المتعلقة بإدخال الهواتف النقالة وأجهزة التصوير والاتصال إلى مكاتب التصويت.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق حماية سرية الاقتراع ومنع تصوير أوراق التصويت أو استعمال وسائل الاتصال بطريقة يمكن أن تؤثر في حرية الاختيار أو تكشف مضمون التصويت.
وقد تترتب عن المخالفات المتعلقة بهذه الأجهزة عقوبات وحجز للوسائل المستعملة، وفق الحالات التي حددها القانون.
ويولي المشرع أهمية خاصة لأمن مكاتب التصويت، إذ يواجه حمل الأسلحة أو الأدوات التي يمكن أن تهدد الأمن العام داخل قاعة التصويت بعقوبات مشددة.
وتصل العقوبات في بعض الحالات إلى خمس سنوات حبسا، فضلاً عن غرامات مالية يمكن أن تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم، بما يعكس حساسية حماية فضاء الاقتراع من أي ضغط أو تهديد أو عنف.
ومن أبرز المستجدات التي تستوقف الانتباه، إدماج الوسائط الرقمية الحديثة ضمن المنظومة الزجرية الانتخابية، خصوصاً في ما يتعلق بالمحتويات الكاذبة أو المزيفة التي يكون القصد منها المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمنشور انتخابي تقليدي، وإنما أيضاً بالمحتويات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، بما فيها المحتويات التي يمكن إنتاجها أو التلاعب بها باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتتضمن المادة 51 المكررة مقتضيات زجرية خاصة بهذه الأفعال، بعقوبات حبسية ومالية تختلف بحسب طبيعة السلوك والنتائج المترتبة عنه.
ويشدد القانون العقوبات عندما يتعلق الأمر بأفعال تستهدف منع الناخبين من ممارسة حقهم في الاختيار.
وتتدرج العقوبات بحسب طبيعة الفعل والوسائل المستخدمة فيه، وترتفع في الحالات التي يكون فيها العنف أو السلاح حاضراً، كما تشدد أكثر عندما يتعلق الأمر بأفعال منظمة ومدبرة تستهدف التأثير في العملية الانتخابية على نطاق محدد.
كما أحاط المشرع أوراق التصويت وصناديق الاقتراع بحماية زجرية خاصة، من خلال تجريم الأفعال التي تتضمن التدليس أو التلاعب في مجريات العملية الانتخابية.
وتصل العقوبة في حالة الاستيلاء على صندوق الاقتراع قبل فرز أوراق التصويت الموجودة بداخله إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات، ما يعكس خطورة المساس المباشر بالوسيلة التي تحفظ أصوات الناخبين.
ولا تقف المسؤولية عند حدود الناخبين والمترشحين، إذ يحمّل القانون رؤساء مكاتب التصويت مسؤوليات محددة في تدبير العملية وتوثيقها.
ومن بين الحالات التي يمكن أن تترتب عنها المسؤولية الجنائية الامتناع عن تسليم نسخة من محضر العملية الانتخابية وفق الشروط والمقتضيات القانونية، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم.
ساعات حاسمة.. والقانون يرسم الخطوط الحمراء
ومع فتح مكاتب التصويت اليوم الأربعاء 23 شتنبر، تدخل الانتخابات التشريعية مرحلة تختلف فيها قواعد اللعبة عن فترة الحملة الانتخابية؛ فالدعاية تتوقف، وسرية الاقتراع تصبح قاعدة مركزية، ومكاتب التصويت تتحول إلى فضاءات مؤطرة بقواعد قانونية دقيقة.
ويأتي ذلك في إطار المنظومة التي اعتمدها المشرع لتنظيم انتخابات مجلس النواب، حيث يهدف القانون التنظيمي 53.25، بحسب عرض وتحليل منشور حوله، إلى تعزيز سلامة العمليات الانتخابية وتشديد العقوبات على الأفعال التي قد تمس نزاهتها.
وفي نهاية المطاف، لا تختبر الانتخابات اليوم قدرة المرشحين على حشد الأصوات فقط، وإنما تختبر أيضاً احترام جميع المتدخلين للقواعد التي يفترض أن تحمي سرية الاقتراع، وحرية الناخب، وسلامة المحاضر والصناديق، ونزاهة عملية احتساب الأصوات. وتبقى المخالفات، متى ثبتت وفق المساطر القانونية، خاضعة للقضاء والجهات المختصة، باعتبار أن حماية العملية الانتخابية تبدأ من احترام القانون وتنتهي باحترام الإرادة المعبر عنها داخل صناديق الاقتراع.










