مستجدات

التسول الرقمي بالمغرب..

[TOUTES LES ACTUALITÉS]5 أكتوبر 2026
التسول الرقمي بالمغرب..

الخياطي هاشم

لم يعد التسول في المغرب ظاهرة مرتبطة فقط بالشوارع والأزقة والإشارات الضوئية، بعدما وجد طريقه إلى العالم الافتراضي، حيث تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات مفتوحة للاستعطاف واستدرار العطف وجمع الأموال، في ظاهرة باتت تُعرف بـ«التسول الرقمي».

ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية والبث المباشر والمنصات الاجتماعية، أصبح من السهل على بعض الأشخاص عرض معاناتهم الشخصية أو العائلية أمام آلاف المتابعين، واستعمال قصص المرض والفقر والحاجة والمآسي الاجتماعية لاستمالة الجمهور ودفعه إلى تقديم تحويلات مالية عبر الحسابات البنكية أو وسائل الأداء الرقمي.

غير أن الإشكال لا يرتبط بالحالات الإنسانية الحقيقية التي تستحق التضامن والمساعدة، وإنما بالممارسات التي تستغل مشاعر المواطنين وتحول التعاطف الإنساني إلى وسيلة للربح، خصوصاً عندما يتم تقديم ادعاءات دون معطيات أو وثائق تسمح بالتحقق من صحتها.

وقد ساهم البث المباشر في تكريس هذا الواقع، إذ ظهرت حسابات تعتمد بشكل شبه يومي على طلب الأموال والهدايا الرقمية، وتستعمل أحياناً محتويات مثيرة أو صادمة لجذب المشاهدات ورفع التفاعل، بما يجعل الحدود أكثر التباساً بين صناعة المحتوى، وطلب المساعدة، والتسول، والاستغلال التجاري للعاطفة.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بحسابات مجهولة أو بأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم مرضى أو ضحايا لظروف اجتماعية قاسية، من دون أن تكون لدى المتابعين إمكانية حقيقية للتأكد من صحة الرواية أو معرفة الجهة التي ستؤول إليها الأموال المحولة.

وفي بعض الحالات، قد تتحول هذه الممارسات من مجرد طلب للمساعدة إلى شبهات نصب أو احتيال، وهو ما لا يضر فقط بالضحايا المحتملين، بل يهدد أيضاً الثقة في المبادرات التضامنية الجادة، ويجعل المواطنين أكثر تردداً في الاستجابة للحالات الإنسانية الحقيقية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة قانونية ورقمية أكثر وضوحاً، تميز بين العمل الخيري المشروع وبين جمع الأموال بطرق غير قانونية، مع تعزيز آليات التحقق من الحملات التي تستقطب التبرعات عبر الإنترنت، خصوصاً عندما تكون مبنية على ادعاءات يصعب التأكد منها.

كما أن مواجهة التسول الرقمي لا يمكن اختزالها في المقاربة الزجرية وحدها، بل تقتضي أيضاً تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين، حتى لا تتحول حسن نيتهم إلى مدخل للاستغلال، وتشجيعهم على توجيه مساعداتهم عبر قنوات وجمعيات وهيئات معروفة وشفافة وقابلة للمساءلة.

وفي المقابل، فإن معالجة الظاهرة تقتضي الالتفات إلى جذورها الاجتماعية والاقتصادية، لأن الفقر والهشاشة والبطالة والحاجة تبقى عوامل حقيقية تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، بما فيها تلك التي يوفرها العالم الرقمي.

إن وسائل التواصل الاجتماعي يفترض أن تكون مجالاً للتواصل والمعرفة والتعبير والإبداع، لا منصة لتحويل المعاناة الإنسانية إلى مادة للفرجة والاسترزاق. وبين التضامن الصادق والاستغلال العاطفي، يبقى التحدي الحقيقي هو حماية قيم التكافل، وضمان احترام كرامة الإنسان، وترسيخ ثقافة المساعدة المسؤولة التي تصل إلى مستحقيها بعيداً عن التضليل والاستغلال.

 

الاخبار العاجلة