صراع يتصاعد بين الأسر ومنطق الربح دون خسارة
الخياطــي هاشــم
يشهد قطاع التعليم الخصوصي بالمغرب تصاعداً لافتاً في منسوب التوتر بين الأسر والمؤسسات التعليمية الخاصة، في ظل شكاوى متزايدة بشأن ارتفاع كلفة التمدرس، وتعدد الرسوم والأداءات، مقابل تساؤلات متنامية حول مستوى الخدمات التربوية المقدمة ومدى تناسبها مع ما تدفعه الأسر من أموال. ولم يعد النقاش مقتصراً على خلافات فردية بين الآباء والمؤسسات، بل تحول إلى قضية مجتمعية تمس جوهر العلاقة بين الحق في التعليم ومنطق السوق.
فمن مقاطعة بعض الأسر لأداء المستحقات، إلى إصدار بيانات ونداءات احتجاجية، مروراً بمطالب وضع سقف للرسوم وتعزيز المراقبة، تتسع دائرة الاعتراض على واقع أصبح فيه التعليم الخصوصي، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر، عبئاً مالياً ثقيلاً لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، خصوصاً في ظل ضعف جاذبية المدرسة العمومية في عدد من المناطق.
ولا يتعلق الأمر فقط بارتفاع واجبات التمدرس، بل أيضاً بتكاليف مرافقة تشمل النقل المدرسي، والإطعام، والأنشطة، والكتب واللوازم، وغيرها من الخدمات التي قد ترفع الكلفة السنوية إلى مستويات تفوق بكثير ما تتوقعه الأسرة عند تسجيل أبنائها. وهنا يطرح السؤال نفسه: أين تنتهي كلفة الخدمة التعليمية المشروعة، وأين يبدأ منطق تحويل المدرسة إلى مشروع تجاري يبحث قبل كل شيء عن توسيع هامش الربح؟
في المقابل، تدافع مؤسسات التعليم الخصوصي عن نفسها بالتأكيد على ارتفاع تكاليف التسيير والاستثمار، من أجور العاملين والكراء أو العقار، إلى التجهيزات والصيانة والضرائب والخدمات المختلفة. كما تعتبر أن المؤسسة الخاصة تظل مقاولة مطالبة بتحقيق التوازن المالي والاستمرار، وأن تحميلها وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار يتجاهل كلفة ممارسة النشاط في ظروف اقتصادية متغيرة.
لكن هذا التبرير لا ينهي الجدل، لأن التعليم ليس سلعة عادية يمكن إخضاعها بالكامل لقواعد العرض والطلب. فالمدرسة تؤدي وظيفة اجتماعية وتربوية وثقافية تتجاوز الحسابات التجارية، وأي اختلال في العلاقة بين الأسرة والمؤسسة ينعكس في النهاية على التلميذ الذي يجد نفسه في قلب صراع لم يختره.
والأكثر إثارة للنقاش هو أن توسع التعليم الخصوصي لم يكن منفصلاً عن مسار السياسات العمومية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة. فقد تعاقبت إصلاحات ورؤى وبرامج جعلت من القطاع الخاص أحد المكونات الأساسية للمنظومة التعليمية، بالتوازي مع استمرار النقاش حول إصلاح المدرسة العمومية واستعادة جاذبيتها وقدرتها على الاستجابة لانتظارات الأسر.
ويذهب عدد من الفاعلين التربويين والنقابيين إلى أن هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الاقتصادية الدولية التي أعادت تعريف علاقة الدولة بالخدمات الاجتماعية، ووسعت مجال تدخل القطاع الخاص في قطاعات كانت تعد تاريخياً من صميم الوظائف العمومية، وفي مقدمتها التعليم والصحة.
وفي هذا السياق، تُستحضر محطة توقيع الاتفاقية العامة حول تجارة الخدمات سنة 1994 بمراكش باعتبارها جزءاً من سياق دولي أوسع عرف توسعاً في تحرير قطاع الخدمات وتشجيع الاستثمار الخاص. غير أن الربط المباشر بين هذه الاتفاقية وبين “خوصصة التعليم” يحتاج إلى تدقيق، لأن تطور التعليم الخصوصي بالمغرب نتاج مجموعة متشابكة من السياسات الوطنية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وليس نتيجة اتفاق دولي واحد.
وقد تعزز حضور القطاع الخاص داخل المنظومة التعليمية عبر مراحل مختلفة، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلى البرنامج الاستعجالي، ثم الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، والقانون الإطار رقم 51.17، وصولاً إلى مضامين النموذج التنموي الجديد. وقد اختلفت طبيعة وأهداف هذه الإصلاحات، إلا أن القاسم المشترك بينها كان البحث عن توسيع العرض التربوي وتحسين الجودة وتنويع الفاعلين داخل المنظومة.
كما لم يعد حضور القطاع الخاص مقتصراً على إنشاء المؤسسات التعليمية وتقديم الدروس، بل امتد إلى عدد من الخدمات المرتبطة بالمؤسسة، من الحراسة والنظافة والإطعام والصيانة والنقل، إلى أنماط تدبير تستلهم أدوات المقاولة الحديثة، وهو ما يطرح بدوره أسئلة حول حدود التعاقد مع القطاع الخاص، وآليات المراقبة، وضمان جودة الخدمة العمومية.
وفي الوقت نفسه، استفاد التعليم الخصوصي من حوافز وتسهيلات مختلفة عبر مراحل متعددة، سواء في المجال العقاري أو المالي أو الضريبي، فضلاً عن أشكال من الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص. ويرى منتقدون أن هذه السياسات ساهمت في تعزيز جاذبية الاستثمار في التعليم، بينما يرى المدافعون عنها أنها تهدف أساساً إلى دعم العرض التربوي وتخفيف الضغط عن المؤسسات العمومية وتوفير خيارات إضافية للأسر.
وتكشف أرقام القطاع عن حجم التحول. فقد تجاوز عدد التلاميذ المتمدرسين بالتعليم الخصوصي خلال الموسم الدراسي 2025-2026 عتبة المليون و260 ألف تلميذ، وفق المعطيات المشار إليها، وهو ما يجعل القطاع مكوناً وازناً داخل المنظومة التعليمية الوطنية. غير أن ارتفاع عدد المستفيدين من التعليم الخصوصي لا يعني بالضرورة تراجعاً آلياً للمدرسة العمومية، إذ تتداخل في ذلك عوامل ديموغرافية واجتماعية ومجالية، فضلاً عن اختلاف العرض بين المدن والمناطق.
ويبقى جوهر الإشكال في مكان آخر: هل يستطيع المغرب بناء تعليم خصوصي قوي دون أن يتحول إلى امتياز اجتماعي مرتبط بالقدرة على الأداء؟ وهل يمكن ضمان حق الطفل في تعليم جيد دون أن تتحول المدرسة إلى مصدر ضغط مالي دائم على الأسرة؟
فالأسرة التي تختار التعليم الخصوصي لا تبحث بالضرورة عن الرفاه، وإنما تبحث في كثير من الأحيان عن الاستقرار والجودة والانضباط والنتائج، خصوصاً عندما تشعر بأن البديل العمومي لا يوفر لها دائماً ما تطمح إليه. ولذلك فإن تحميل الأسر وحدها مسؤولية اختيار التعليم الخصوصي يتجاهل جانباً أساسياً من المشكلة، يتمثل في جودة العرض العمومي وقدرته على استعادة الثقة.
وفي المقابل، فإن المؤسسة الخاصة لا يمكن اختزالها في صورة “مقاولة للربح” فقط، لأن آلاف العاملين فيها يعتمدون على استمرارها، ولأن جزءاً كبيراً من الاستثمار الخاص أسهم فعلاً في توسيع العرض التعليمي واستيعاب أعداد مهمة من التلاميذ. لكن تحقيق الربح لا ينبغي أن يلغي البعد التربوي والاجتماعي للمؤسسة، كما أن حرية الاستثمار لا تعني غياب الرقابة والشفافية.
المطلوب، في نهاية المطاف، ليس إعلان حرب على التعليم الخصوصي ولا ترك الأسر تحت رحمة ارتفاع التكاليف، وإنما بناء قواعد واضحة تضمن التوازن بين استدامة المؤسسات وحقوق الأسر ومصلحة التلميذ. ويشمل ذلك شفافية الرسوم، وضبط الخدمات الإضافية، وضمان جودة التعليم، وتعزيز آليات الوساطة والشكايات، وربط أي دعم أو امتيازات عمومية بالتزامات دقيقة وقابلة للمراقبة.
أما الرهان الأكبر فيظل هو المدرسة العمومية. فكلما استعادت المدرسة العمومية جاذبيتها وجودتها وثقة الأسر، أصبح اختيار التعليم الخصوصي اختياراً حراً بين عروض تعليمية متعددة، وليس خياراً اضطرارياً تفرضه المخاوف من واقع المدرسة العمومية.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة: لا يمكن بناء منظومة تعليمية عادلة بمجرد توسيع التعليم الخصوصي، كما لا يمكن إصلاح التعليم العمومي عبر مهاجمة القطاع الخاص. المعركة الحقيقية هي من أجل مدرسة مغربية جيدة، عمومية كانت أم خصوصية، يكون فيها التلميذ محور العملية التعليمية، وتكون فيها كلفة التعليم منسجمة مع جودة الخدمة، لا أن يصبح الحق في تعليم جيد رهيناً بقدرة الأسرة على الدفع.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام تعليم خصوصي يسد ثغرات المدرسة العمومية، أم أمام منظومة تتوسع فيها قواعد السوق أسرع من توسع قواعد الإنصاف والجودة؟







