هاشــم الخياطــي
في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، يطفو ملف المتقاعدين إلى السطح باعتباره أحد أكثر القضايا إلحاحًا وحساسية، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في 23 شتنبر 2026. فهذه الفئة، التي يمتد تأثيرها ليشمل نحو خمسة ملايين شخص عند احتساب الأسر، لم تعد مجرد شريحة صامتة، بل أضحت قوة انتخابية كامنة قادرة على ترجيح كفة المشهد السياسي إذا ما أحسنت استثمار وزنها التصويتي.
وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، ظل المتقاعدون يعبرون عن تذمرهم من أوضاع توصف بالمجحفة، في مقدمتها ضعف المعاشات وغياب مراجعات دورية تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وبينما شهدت فئات مهنية أخرى زيادات وتحسينات متتالية، بقي المتقاعدون في مواجهة ضغوط اقتصادية متصاعدة، غالبًا في صمت فرضته محدودية قنوات التأثير.
غير أن هذا الصمت بدأ يتآكل تدريجيًا مع تفاقم موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، حيث ارتفعت وتيرة المطالب الداعية إلى إصلاح شامل لأنظمة التقاعد، إلى جانب إقرار زيادات مباشرة تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. ولم تعد هذه المطالب حبيسة الإطارات النقابية أو الجمعوية، بل تحولت إلى خطاب ذي بعد سياسي واضح، يتقاطع مع رهانات المرحلة الانتخابية المقبلة.
التحول الأبرز يتمثل في تنامي وعي هذه الفئة بثقلها الانتخابي، إذ بات من الواضح أن مشاركة مكثفة ومنظمة للمتقاعدين وأسرهم في الاقتراع قد تفرز كتلة تصويتية قادرة على إعادة رسم التوازنات، سواء من خلال معاقبة الجهات التي لم تستجب لانتظاراتهم أو دعم البرامج التي تقدم حلولًا ملموسة لقضاياهم.
في المقابل، تواجه الأحزاب السياسية اختبارًا حقيقيًا يتجاوز الشعارات التقليدية، ليصل إلى مستوى تقديم تصورات واقعية وقابلة للتنفيذ بشأن إصلاح أنظمة التقاعد وتحسين أوضاع هذه الفئة. فاستمرار تجاهل هذا الملف أو الاكتفاء بخطاب عام قد يكلف الفاعلين السياسيين ثمنًا انتخابيًا باهظًا في صناديق الاقتراع.
المعطى الجديد أيضًا يتمثل في انتقال المتقاعدين من حالة التذمر الفردي إلى مرحلة التنظيم الجماعي، عبر جمعيات وتنسيقيات تسعى إلى توحيد الصفوف وتعزيز القدرة على الضغط والتأثير. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل لافت في تسريع هذا التحول، من خلال فضح الاختلالات وتبادل التجارب اليومية المرتبطة بارتفاع تكاليف العلاج والمعيشة.
وفي ظل هذه الدينامية، يلوح في الأفق احتمال بروز مبادرات مدنية أو حتى تعبيرات سياسية جديدة تجعل من ملف المتقاعدين محورًا رئيسيًا في برامجها، وهو ما قد يعيد ترتيب أولويات الحملات الانتخابية ويمنح هذا الملف موقعًا متقدمًا ضمن النقاش العمومي.
ومع اقتراب موعد الحسم في 23 شتنبر 2026، تتبلور رسالة واضحة مفادها أن المتقاعدين لم يعودوا مجرد رقم ضمن الكتلة الناخبة، بل فاعلًا حقيقيًا قادرًا على التأثير في النتائج وصياغة ملامح المرحلة المقبلة. غير أن الرهان الأكبر يظل معلقًا بمدى ترجمة هذا الوعي إلى مشاركة فعلية وواعية، تكسر منطق العزوف وتفرض معادلة جديدة قوامها المحاسبة والاختيار على أساس البرامج.
فهل يتحول الغضب المتراكم إلى قوة تغيير حقيقية؟ أم أن الفرصة ستضيع مجددًا، لتُعاد نفس السيناريوهات؟
سؤال مفتوح على كل الاحتمالات، لكن المؤكد أن انتخابات 2026 قد تشكل لحظة فاصلة، ينتقل فيها المتقاعدون من هامش الفعل إلى قلب القرار، تحت عنوان عريض: من التهميش إلى التأثير.










