إصلاح قضائي شامل يراهن على الرقمنة وتسريع العدالة
ابتداء من 24 غشت المقبل، يدخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، في محطة تشريعية تعد من أبرز الإصلاحات التي يشهدها القضاء المغربي خلال العقود الأخيرة، وذلك بعد نشره في الجريدة الرسمية خلال شهر فبراير الماضي، ليضع حداً لمسار طويل من النقاشات والتعديلات التي رافقت إخراجه إلى حيز الوجود.
ويأتي هذا القانون ليعوض النص الذي ظل معمولا به منذ سنة 1974، بعد أكثر من 52 سنة من التطبيق، وهي فترة كشفت عن مجموعة من الاختلالات والإكراهات التي فرضت مراجعة شاملة لمنظومة المسطرة المدنية، بما ينسجم مع دستور المملكة والتحولات التي يعرفها القضاء والإدارة الرقمية.
قبل اعتماده النهائي، اضطر المشرع إلى إعادة النظر في عدد من مقتضيات المشروع بعدما قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مواده، وهو ما دفع وزارة العدل إلى إعداد نسخة محينة تمت المصادقة عليها من طرف مجلسي البرلمان مطلع السنة الجارية، في احترام للمقتضيات الدستورية وضماناً لسلامة النص القانوني.
ويراهن القانون الجديد على تبسيط الإجراءات القضائية والحد من التعقيدات التي كانت تؤدي إلى ما يعرف بـ”الهدر المسطري”، من خلال توحيد المساطر المدنية والإدارية والتجارية المرتبطة بقضاء القرب داخل نص قانوني واحد، بما يعزز مبدأ وحدة القضاء والتخصص، ويضمن انسيابية أكبر في معالجة الملفات القضائية.
كما يهدف إلى تقليص آجال التقاضي وتحقيق السرعة المطلوبة في البت في المنازعات، بما يحقق الأمن القضائي ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في العدالة المغربية.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد تخصيص باب مستقل للتحول الرقمي داخل منظومة العدالة، حيث أصبح بإمكان المتقاضين والمحامين إيداع المقالات والمذكرات والطعون عبر منصات إلكترونية موحدة وآمنة، مع اعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل الرقمي للوثائق.
كما ألزم المشرع بتوفير بنية تقنية متطورة تكفل حماية المعطيات الشخصية، وتضمن الحجية القانونية للإجراءات الرقمية، في خطوة تروم تحديث الإدارة القضائية ومواكبة التطور التكنولوجي.
وأكد القانون الجديد على تكريس مبادئ المحاكمة العادلة، من خلال تعزيز استقلالية القضاء ونزاهته، وضمان الفصل في القضايا داخل آجال معقولة، مع حماية حقوق الدفاع في مختلف مراحل التقاضي، بما ينسجم مع المقتضيات الدستورية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وفي جانب التنظيم القضائي، أسند القانون الاختصاص للمحاكم الابتدائية للنظر في مختلف القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، مع إسناد الملفات الإدارية والتجارية إلى الأقسام المتخصصة داخل هذه المحاكم، بما يعزز مبدأ وحدة القضاء والتخصص في آن واحد.
كما وضع إطاراً قانونياً واضحاً للاختصاص القضائي الدولي، محدداً الحالات التي تختص فيها المحاكم المغربية بالنظر في النزاعات ذات الطابع الدولي، وفق قواعد القانون الدولي الخاص، بما يعزز الأمن القانوني ويقوي جاذبية المملكة للاستثمار.
ومن بين المستجدات المهمة أيضاً، منح المحاكم دوراً أكبر في تشجيع الحلول الودية، إذ يمكن للمحكمة أن تعرض الصلح تلقائياً في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ويتم توثيق الاتفاق في حكم قضائي غير قابل للطعن، بما يساهم في تخفيف العبء عن المحاكم وإنهاء النزاعات بأقل تكلفة وأسرع وقت.
وعزز القانون الجديد اختصاصات النيابة العامة داخل الخصومة المدنية، حيث منحها صلاحية الطعن بالبطلان في أي حكم يمس بالنظام العام، حتى وإن لم تكن طرفاً في الدعوى، مع إعفائها من التقيد بآجال الطعن في حالات خاصة.
كما حدد المشرع أدوار النيابة العامة في ثلاث حالات رئيسية: عندما تكون طرفاً أصلياً، أو طرفاً منضماً، أو عندما يتم إشعارها وجوباً ببعض أنواع الدعاوى التي تمس الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو الهبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية، إضافة إلى قضايا مخاصمة القضاة وتنازع الاختصاص.
وأدخل القانون تمييزاً واضحاً بين حضور النيابة العامة أمام محاكم الموضوع ومحكمة النقض.
ففي محكمة النقض أصبح حضور النيابة العامة إلزامياً في جميع الجلسات، مع تقديم مستنتجاتها دون المشاركة في المداولات، بينما نصت المادة 21 على أن حضورها أمام محاكم الموضوع ليس إلزامياً في القضايا المدنية، مع إمكانية الاكتفاء بالمستنتجات الكتابية، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
ويعد دخول القانون رقم 58.25 حيز التنفيذ بداية مرحلة جديدة في مسار تحديث منظومة العدالة المغربية، بالنظر إلى ما يتضمنه من إصلاحات هيكلية تمس الإجراءات القضائية، والرقمنة، وتسريع البت في القضايا، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
ويبقى نجاح هذا الورش رهيناً بمدى جاهزية المحاكم والإدارات القضائية لتفعيل مقتضياته على أرض الواقع، وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكفيلة بتحقيق الأهداف التي رسمها المشرع، حتى تتحول هذه الإصلاحات إلى ممارسة يومية تسهم في تقريب العدالة من المواطن، وترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية.








