هي كما يراها أي مغربي لبنان في ذاكرة كل المغاربة، ليس فقط بلداً عربياً وجغرافية محدّدة، بل هو حاضر بقوة في تاريخهم القديم، حينما كان الفينقيون يؤسسون منشآت عمرانية ومحطات تجارة على شواطئ البحرين، المتوسطي والأطلسي. كما يحضر في محطات هامة من تاريخهم المعاصر، عبر الفن والإعلام والثقافة والأدب.
ولطالما ردّد المغاربة كلمات فيروز التي غنّت للمغرب عام 1971 قائلةً: “من وطني تحية الرجولة إلى شواطئ المغرب الأبيّة/ إنهم الأبطال والبطولة تكاد أن تكون مغربية..
هكذا عندما يستحضر المغاربة حالياً هذا الصوت الفيروزي الخالد، تضامناً حقاً مع لبنان في محنته، ويدعون بكل جوارحهم، من أجل أن لا يصاب لبنان بعمقه الحضاري، ويبقى مُشعاً كما كان على الدوام، لبنان الأدب والفن والرجال الأفذاذ الذين أنجبهم، وفي مقدّمهم الأمير شكيب إرسلان، المنتمي للطائفة الدرزية، الذي زار شمال المغرب في ثلاثينات القرن الماضي، وجال في مدينة تطوان، في المنطقة الخليفية التي كانت تحت نير الحماية الإسبانية.
في هذا الصدد، لنتأمل ملياً، ما كتبه الزعيم الوطني المغربي الكبير علال الفاسي، بخصوص هذا الزيارة قائلاً: “سأكون منكراً لجميل الأمير إذا أخليت حديثي [..] من موقفه إزاء القضية المغربية عموماً والمراكشية بالخصوص، حتى كان واحداً من رجالنا، وعمدة من أهم العمد التي نستند إليها في الحصول على تأييد العرب والمسلمين لقضيتنا“.
تابع: “وبمجرد أن قامت حركة الاحتجاج المراكشية، انتقل الأمير -رحمه الله- إلى تطوان واتصل ببعض إخواننا [..]، ثم رجع إلى سويسرا حيث أعلنها حرباً شعواء على الفرنسيين، مسخّراً كتاباته واتصالاته بنا وبأقطاب العالم العربي والإسلامي، حتى أصبحنا في عداد الحركات التي يستند إليها المكافحون في المشرق والمغرب [..] وكان الأمير اللبناني، كثير الإعجاب بسير حركتنا الوطنية وتنظيمها، ويعلّق آمالاً كبيرة عليها لإذكاء الروح العربية في المغرب”. (مجلة دعوة الحق، عدد 483).
فردوس أفريقيا
هي كلمات من رجل كبير مغربي عن رجل كبير لبناني لم يتوان في الدفاع عن المغرب في عزّ الحماية الفرنسية والإسبانية في ذلك الزمن. وجاء رجل فذ لبناني ثان، زار المغرب ونشر سنة 1939، كتاباً مهماً بعنوان “المغرب الأقصى”. هو الكاتب أمين الريحاني، المنتمي للطائفة المارونية، وواحد من كُتّاب المهجر المعروفين في تاريخ الأدب العربي.
وثّق الريحاني في كتابه رحلته إلى المغرب التي قال عنها بأنها سفر إلى “فردوس أفريقية، إلى المغرب الذي هو اليوم في حماية إسبانيا، إلى المغرب الذي جنّد لفرنكو 160 ألفاً من أبنائه الأشداء البسَل، إلى المغرب المقيم فيه اليوم مقيم إسباني عام، وُلِد في قرطاجنة من مقاطعة مُرْسيَة، مسقط رأس شاعرنا الصوفي ابن عربي“.
هي مواقف قوية وفاصلة في تاريخ المغرب للبنان، وكل ما هو لبناني. وقد تلاها التأثير الثقافي الكبير على النخبة المغربية في مجالات عدّة.
كتب الكاتب والصحفي المغربي المخضرم عبد الرحيم التوراني بهذا الخصوص، وهو المرتبط عاطفياً بلبنان وبيروت قائلاً: “وظل ما يصدر في لبنان من مواقف سياسية وفكرية تقدّمية، وما ينتجه من أفكار وإبداع، يجد صداه القوي وإشعاعه البيّن في الأوساط اليسارية والثقافية في المغرب“.
مجلة “الثقافة الجديدة” لمحمد بنيس، لم تكن سوى محاولة لإعادة تجربة أدونيس في “مواقف” شكلاً ومضموناً. وحضر لبنان باستمرار بمدنه وقراه وضحاياه، وبمخيمات الفلسطينيين، في الكتابات الأدبية وقصائد الشعراء المغاربة، من بيروت إلى تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، ومن كمال جنبلاط وحسين مروة إلى مهدي عامل. تمّ رثاؤهم وتمجيد موتهم في أشعار أحمد المجاطي وأحمد الجوماري وأحمد بنميمون ومحمد بنيس وعبد اللطيف اللعبي ومحمد الطوبي وعبد الله راجع ومحمد بنطلحة وآخرين“.
نعم، كانت بيروت سبّاقة في الكثير من التجارب الأدبية والفنية، وسار على دربها كُتّاب وفنانون مغاربة اختطّوا لهم طريقاً، مرّوا من هذه المدينة المتألقة، وإن لم تطأها أقدامهم. إنها قدر جميل، يحزّ في النفس ألا يقدِّر المتعصبون والغزاة مآلاته الجميلة والفريدة.
يذكر الكاتب الصحفي اللبناني المعروف سمير عطا الله في صحيفة “النهار” ما كتبه المفكّر المغربي علي أومليل، الذي بقي سفيراً للمغرب في لبنان لفترة من الزمن: “حوّل علي أومليل السفارة المغربية إلى منتدى أدبي، هو امتداد للشغف الثقافي المعروف عن المغاربة. وإذ كتب مودّعاً لبنان، قال إن الذي يعيش هنا فترة من الوقت، يقول إلى اللقاء، وليس وداعاً
بناءً على هذه المعطيات التاريخية، أعلن رئيس الحكومة المغربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تضامن المغرب الكامل مع لبنان حكومةً وشعباً في وجه يتعرض له من هجوم، مؤكداً على ضرورة احترام الوحدة الترابية وسيادته الوطنية. كما عرفت شوارع مدن مغربية وقفات مساندة من العديد من الحساسيات السياسية المختلفة، كتلك التي تنظم أمام مقر البرلمان المغربي في وسط العاصمة الرباط، رافعين شعار: “لا يمكن أن نفرط في من يفتح نوافذ الفرح والفن في صحرائنا.









