تعود هيئات الدفاع، ابتداءً من اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، إلى ممارسة مهامها بمختلف محاكم المملكة، بعد أشهر من التوقف عن العمل احتجاجاً على عدد من المقتضيات المرتبطة بقانون مهنة المحاماة، في خطوة تفتح الباب أمام إعادة تحريك آلاف الملفات التي ظلت رهينة التأجيل وانتظار استئناف الجلسات.
وبقدر ما يشكل استئناف المحامين لعملهم عودة ضرورية إلى المسار العادي للعمل القضائي، فإن انتهاء التوقف يضع المحاكم أمام تحدٍ آخر لا يقل أهمية: كيف ستتم معالجة كلفة أشهر من التأجيل على المتقاضين وعلى الرزنامة القضائية؟
فالمتضرر المباشر من طول أمد هذا الوضع لم يكن فقط المؤسسات المهنية أو المحاكم، وإنما المتقاضي الذي وجد نفسه، في عدد من الملفات، أمام جلسات مؤجلة ومواعيد جديدة ومساطر امتد زمنها، في وقت ترتبط فيه قضايا كثيرة بمصالح وحقوق والتزامات لا تحتمل الانتظار الطويل.
وتتجاوز كلفة التأجيل الجانب الزمني، لتشمل أعباء إضافية يتحملها المتقاضون، من مصاريف التنقل والحضور إلى المحاكم، إلى استمرار النزاعات الأسرية والمدنية والتجارية والاجتماعية، فضلاً عن القلق الذي يرافق أصحاب القضايا كلما طال انتظارهم لمعرفة مآل ملفاتهم.
أما بالنسبة للمحاكم، فإن استئناف العمل لا يعني ببساطة العودة إلى نقطة الصفر، وإنما بداية مرحلة لإعادة ترتيب أجندة قضائية عرفت خلال أشهر التوقف ضغطاً إضافياً نتيجة تراكم الملفات وتأجيل عدد من الجلسات.
وسيكون على الهيئات القضائية تدبير هذا التراكم بما يضمن إعادة برمجة الملفات المؤجلة، دون أن يتحول الضغط الناتج عن كثرة القضايا إلى عامل يؤثر على جودة الأحكام أو على الآجال المعقولة للبت في النزاعات.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية مختلف المتدخلين في العدالة في جعل عودة المحامين إلى قاعات الجلسات فرصة لإعادة ضبط إيقاع العمل القضائي، مع إعطاء الأولوية للملفات التي طال انتظارها، وحماية حقوق المتقاضين الذين لا ينبغي أن يتحولوا إلى طرف متضرر من أي خلاف مهني أو تشريعي بين الفاعلين في منظومة العدالة.
وكان قرار التوقف عن العمل قد خلف خلال الأشهر الماضية تداعيات على السير العادي لعدد من الجلسات والملفات، بعدما تعذر في حالات متعددة مواصلة النظر في القضايا التي تتطلب حضور الدفاع أو ممارسة إجراءات مرتبطة به.
وفي المقابل، تؤكد جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن تعليق التوقف عن العمل لا يمثل تخلياً عن المطالب المهنية التي دفعت المحامين إلى خوض هذه الخطوة الاحتجاجية، ولا يعني موافقة على المقتضيات القانونية التي كانت موضوع خلاف.
وبذلك، تدخل الأزمة المهنية مرحلة جديدة: المحامون يعودون إلى المحاكم، لكن آثار أشهر التوقف لا تنتهي بمجرد العودة. فالاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة منظومة العدالة على امتصاص الملفات المتراكمة، وتسريع وتيرة البت فيها، وإعادة الثقة إلى المتقاضين الذين دفعوا، بشكل مباشر أو غير مباشر، ثمن تأخر المساطر.
ويبقى السؤال الأهم مطروحاً أمام جميع الأطراف: هل ستكون عودة الدفاع بداية لتسوية هادئة للملف المهني، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الخلاف حول قانون مهنة المحاماة؟
وفي كل الأحوال، يبقى المتقاضي هو الطرف الذي ينبغي أن يحتل صدارة أي نقاش حول مستقبل هذا الملف، لأن العدالة التي تتأخر في الوصول إلى أصحابها تصبح، بالنسبة لمن ينتظرها، عبئاً إضافياً لا يقل قسوة عن النزاع نفسه.









