الجامعي أبو الشتاء
لم يعد الحديث عن إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب ترفاً سياسياً أو ملفاً يمكن ترحيله من حكومة إلى أخرى، فالأرقام هذه المرة تتحدث بوضوح، والتقرير السنوي لهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي يضع الجميع أمام حقيقة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: بعض أنظمة التقاعد تسير فوق أرض مالية شديدة الهشاشة، وأفق الاستدامة يضيق بسرعة.
أخطر ما في المعطيات الجديدة أن نظام المعاشات المدنية التابع للصندوق المغربي للتقاعد لا يتجاوز أفق استدامته المالية خمس إلى ست سنوات، بينما لا تتعدى هذه المدة عشر سنوات بالنسبة إلى فرع المدى الطويل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وبمعنى أوضح، فإن عقارب الساعة تتحرك، فيما لا تزال ورشة الإصلاح تبحث عن مخرج يضمن استمرار المعاشات ويحمي حقوق الأجيال المقبلة.
صحيح أن الزيادات الأخيرة في الأجور ساهمت في تحسين بعض المؤشرات وتقليص العجز التقني لنظام المعاشات المدنية، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنح أحداً شعوراً زائفاً بالأمان. فالتحسن المسجل لا يعني أن الأزمة انتهت، بل إن الأرقام تؤكد أن الاختلالات البنيوية ما تزال قائمة، وأن الحلول الظرفية لا تستطيع وحدها إنقاذ منظومة تحتاج إلى إصلاح عميق ومستدام.
والأكثر إثارة للانتباه أن فرع المدى الطويل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يتجاوز معدل تمويله المسبق 58 في المائة، وهو ما تعتبره الهيئة مؤشراً على وجود اختلال هيكلي في تسعير الحقوق الممنوحة. وهنا تحديداً يبدأ السؤال الصعب: هل يمكن لمنظومة تمنح حقوقاً تفوق قدرتها التمويلية أن تستمر طويلاً من دون إعادة النظر في قواعدها؟
الأرقام الإجمالية تبدو للوهلة الأولى مطمئنة: 5.1 ملايين منخرط، ونحو 1.5 مليون متقاعد، و73 مليار درهم من الاشتراكات خلال سنة 2025، مقابل 75.3 مليار درهم من التعويضات. لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة توجد معادلة دقيقة؛ فكلما ارتفع عدد المستفيدين وتزايدت الالتزامات، أصبحت الحاجة إلى إصلاح النظام أكثر إلحاحاً وأقل قابلية للتأجيل.
نظام المعاشات المدنية وحده سجل اشتراكات بقيمة 35.6 مليار درهم، مقابل 41.1 مليار درهم من التعويضات، وهو ما يفسر استمرار العجز التقني رغم التحسن الذي عرفه مقارنة بالسنة السابقة. أما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، فرغم استمرار العجز التقني، فقد حافظ على فائض إجمالي بفضل عائداته المالية، بينما يواصل الصندوق المهني المغربي للتقاعد تسجيل مؤشرات مالية أكثر اطمئناناً واستدامة.
وفي المقابل، بلغت الاحتياطيات الإجمالية لأنظمة التقاعد حوالي 340.8 مليار درهم نهاية سنة 2025، وهو رصيد مهم لا شك فيه، لكنه ليس شيكاً على بياض يسمح بتأجيل الإصلاح إلى أجل غير مسمى. فالاحتياطيات يمكن أن تمنح الأنظمة هامشاً للمناورة، لكنها لا تلغي الاختلالات البنيوية إذا بقيت قواعد الاشتراكات والحقوق وسن التقاعد دون مراجعة.
المشكلة إذن ليست في غياب المال فقط، بل في اختلال المعادلة بين ما يدخل إلى صناديق التقاعد وما يخرج منها، وبين الحقوق التي يتم اكتسابها والموارد التي تمولها. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لن يكون مجرد ضخ أموال إضافية، ولا مجرد إجراءات مؤقتة لتأجيل العجز، بل إعادة بناء المعادلة على أسس تضمن العدالة والاستدامة معاً.
المغرب أمام اختبار صعب: كيف يحمي حقوق المتقاعدين الحاليين، ويضمن حقوق الموظفين والأجراء الذين سيتقاعدون مستقبلاً، من دون تحميل الأجيال المقبلة فاتورة اختلالات لم تكن طرفاً في صناعتها؟
هذه ليست معركة أرقام فقط، بل معركة ثقة أيضاً. فالمواطن الذي يقتطع من دخله اليوم من أجل معاش الغد يريد أن يعرف ما إذا كان النظام الذي يساهم فيه قادراً فعلاً على الوفاء بالتزاماته عندما يحين موعد الاستحقاق.
وبين احتياطيات تتجاوز 340 مليار درهم وأفق استدامة لا يتجاوز خمس أو ست سنوات لأحد أكبر أنظمة التقاعد، تبدو الرسالة واضحة: الإصلاح لم يعد ملفاً مؤجلاً إلى إشعار آخر، بل أصبح سباقاً مع الزمن.
في ملف التقاعد، لا يكفي أن نكتشف المشكلة عندما ينفد الوقت. فالساعة بدأت تدق، والسؤال الذي ينتظر جواباً سياسياً واضحاً هو: هل يبدأ الإصلاح قبل انتهاء المهلة، أم ننتظر حتى تصبح كلفته أكبر من قدرة الجميع على تحمّلها؟









