تدخل تونس عامها الرابع منذ قرارات 25 يوليوز 2021 ، في ظلّ أزمة متعددة الأبعاد، ترزح تحت ثقلها الدولة والمجتمع، حيث تتفاقم مظاهر الاختناق السياسي والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، في ظل حكم فردي للرئيس قيس سعيد، لا يحمل مشروعًا واضحًا، ولا يستجيب لمتطلبات التغيير أو نداءات الحوار.
يتفق المراقبون على أن الأزمة التونسية تتمظهر من خلال ثلاثية قاتمة: سلطة مركزية معزولة عن الواقع وعاجزة عن الحُكم، شعب صامت ومهمّش عن القرار، ومنظومة سياسية ومدنية مفككة تفتقد القدرة على المقاومة أو البناء.
في هذا السياق، لا تقتصر مسببات الانسداد على الداخل فقط، إذ يُلاحظ دعم خارجي غير مباشر لإطالة عمر النظام الحالي، ما يساهم في تأجيل الانفجار المحتمل للأزمة دون منعه، وسط غياب مؤشرات على حلّ قريب أو توافق وطني شامل.
منذ إعلانه عن “التدابير الاستثنائية”، عمد الرئيس قيس سعيد إلى تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده، عبر خطوات شملت تعليق البرلمان ثم حله، وإلغاء المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بهيئة معينة، إلى جانب تجفيف منابع الحياة السياسية، وتهميش الأحزاب، وملاحقة المعارضين، والتضييق على الإعلام والمجتمع المدني، وسط رفض تام لأي حوار وطني جامع.
لكن هذه التوجهات لم تُترجم إلى نتائج ملموسة، بل عمّقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فقد تدهورت خدمات الصحة والنقل والتعليم، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم، ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، وعمّق الفقر، خاصة في المناطق الداخلية المهمّشة.
تعمل الحكومة الحالية، التي تُدار فعليًا من قصر قرطاج، بأسلوب تقني محدود الرؤية، غائبة عن تقديم أي حلول هيكلية، أو رؤية اقتصادية شاملة. وتكتفي بإجراءات ظرفية لا تعالج جذور الأزمة، ما يجعل الدولة وكأنها تُدار بـ”الحدّ الأدنى” من الفعالية والشرعية.
ولم تُفلح أربع حكومات متتالية في تحسين المؤشرات الاقتصادية أو بناء الثقة مع الداخل والخارج. فالدين العام في ارتفاع، والدينار في تراجع، والمواد الأساسية في ندرة، والمواطن في قلق دائم. وتبدو تونس اليوم بلا مشروع جامع، وبلا عقد اجتماعي حقيقي، وسط مشهد سياسي مأزوم، وشعب يعاني في صمت.
ويبقى السؤال الأهم معلقًا: من يملك مفاتيح التغيير؟ وهل سينفجر الوضع من الشارع في لحظة غير متوقعة، أم أن التغيير سيتسلل بهدوء من داخل المنظومة نفسها؟
في ظل هذا الانسداد العميق، تبدو تونس واقفة على مفترق طرق: إما الخروج من النفق عبر توافق تاريخي جديد، أو الغرق أكثر في دوامة العجز والانفراد والتفكك أو الانقلاب على الوضع .









