يعيش المغرب، على استقطاب حاد بين الحركة الإسلامية وفعاليات يسارية وأخرى مدافعة عن حقوق المرأة ، وذلك منذ دعوة الملك محمد السادس، في 31 يوليوز من العام 2022، إلى مراجعة مدونة الأسرة لتجاوز الاختلالات التي اعترت بعض بنودها حسب رأي النساء.وفي هذه الصدد لابد من إعطاء مختصرات مفيدة في هذا الباب الذي يشغل في الآونة الأخير بال الراي العام الوطني والديني.
أولا: تعريف الإرث لغة واصطلاحا:
الإرث في اللغة البقاء، وشرعا هو حق قابل للتجزؤ يثبت لمستحق بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو تحوهما، وعرفه بعضهم فقال: انتقال مال الغير إلى الغير على سبيل العلاقة.
وفي تعريف آخر: انتقال مال الميت إلى حي بعده، وفي اصطلاح الفقهاء، استحقاق الحي مال الميت بصفة مخصومة مشتركة بينهما).
ثانيا: غيته، أركانه، شروطه، أسبابه، وموانعه (غايته: معرفة ما يخص كل ذي حق من التركة):
أركانه: موروث، وارث، ما لموروث وما أحلق به.
شروطه: تحقق موت المورث أو إلحاقه بالموتى حكما أو تقديرا، وتحقق حياة الوارث حياة مستقرة بعد موت المورث، أو إلحاقه بالأحياء، والثالث ويختص بالقضاء: العلم بالجهة التي بها الإرث، وبالدرجة التي اجتمعا فيها).
الأسباب التي توارث بها الورثة ثلاثة: رحم ونكاح وولاء، فلا يرث ولا يورث بغيرها كالمآخاة، أي الموالاة والمعاقدة وهي المحالفة وإسلامه على يديه وكونهما من أهل ديوان واحد، وهناك سبب رابع اختلف فيه الأئمة رحمهم الله، وهو بيت المال فالمالكية يرونه سببا لجبر (أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه أو هو r لا يرث لنفسه بل يصرفه للمسلمين).
وموانع الإرث ثلاثة: رق وقتل واختلاف دين، أما الرق فهو عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، فالرقيق لا يرث ولا يورث ولا حجب، وأما القتل فالمانع منه ما أوجب قصاصا أو دية أو كفارة، وماعدا ذلك لا يمنع، وأما اختلاف الدين فهو أن لا يجتمع الوارث والمورث في ملة واحدة، فلا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم إلا بالولاء، وكذا اليهودي والنصراني لا يرث أحدهما الآخر والملل كثيرة فلا يتوارث أهل الملتين
ثالثا: الأدلة على وجوبه: الأدلة على وجوب الإرث كثيرة منها:
قال تعالى: )لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا {النساء: 4/7}.
وقال أيضا: )يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا( {النساء: 4/11}.
وقال في موضع آخر: )يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( {النساء: 4/176}.
المطلب الثاني: حق المرأة في الإرث باعتبارها: زوجة وبنتا وأما وأختا:
كانت المرأة قبل ظهور الإسلام تورث كالمتاع، ليس لها الحق في أن تمتلك أو أن ترث شيئا، فقال الله سبحانه وتعالى في إبطال ظلم الذين كانوا يمنعون النساء من الإرث ويجعلونه للرجال فقط. )لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونوَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا {النساء: 4/7}.
قال بعض العلماء في هذه الآية: أنها تحمل ثلاث فوائد الأولى: بيان على الميراث وهي القرابة، الثانية عموم القرابة، الثالثة: إجمال النصيب المفروض.
فالذين يعطون النساء حقوقهن بشؤون المنازل العليا في الدنيا والآخرة، ويتصفون بالصفات الحميدة ويتمتعون بالرشد واستنارة العقل وصلاح القلب وزكاة النفس. فجعل الله سبحانه وتعالى للمرأة حقا في الميراث، وجعل لها نصيبا باعتبارها زوجة وبنتا وأما وأختا.
أولا: باعتبارها زوجة تستحق الزوجة الميراث من تركة زوجها بالعقد عليها عقدا صحيحا وإن لم يدخل بها أو يفرض لها مهرها، وبانتفاء الموانع الشرعية من الميراث كالرق واختلاف الدين والقتل، وقولنا عقدا صحيحا يخرج بذلك العقد الباطل كالعقد على المرأة للتحليل، وكعقد نكاح المتعة([1])، يقول تعالى: )وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ( {النساء/12}.
ثانيا: باعتبارها بنتا:
يقول تعالى: )وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ({النساء 4/11}. ويقول في موضع آخر من هذه الآية )لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ({النساء 4/11}. فالحكمة من إعطاء البنت نصف حظ الذكر هي أنها تعيش حياتها كلها في كنف رجل مكفولة منه، مسول عنها، ينفق عليها، فإذا مات أنفق عليها أخوها أو عمها أو خالها….، لذلك فهي مكفولة من رجل دائما، فإن تزوجت تكون مسؤولة من زوجها، ينفق عليها، ويوفر لها كل مقومات الحياة، وعلى أسوأ المال فهي مسؤولة عن نفسها، فهي شرعا ليست مسؤولة على أن تنفق على إنسان آخر مهما كانت درجة قرابته، على خلاف الرجل فهو مسؤول شرعا عن والديه وإخوته وزوجته وأبناءهٍ.

ثالثا: باعتبارها أما:
يقول سبحانه وتعالى: )وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ( {النساء: 4/11}. والحكمة في إعطاء الوالدين ذلك، والتسوية بينهما ليتسمرا فلا يجحف بهما إن كثرا الأولاد مثلا.
وقال في موضع آخر: )فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ( {النساء: 4/11}. والحكمة من أخذها الثلث كما قال البهلوي في (حجة الله المبالغة): أنه عند عدم الوالدين فأحاط تمام الميراث، وفضل الأب على الأم فضل التضعيف([2]).
رابعا: باعتبارها أختا:
يقول تعالى: )وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ( {النساء: 4/12}. وعلى هذا فإن الميت الذي له أخت من أمه ترث منه السدس مع عدم وجود أب له أو جد أو ذكور أو إناث أو ولد الولد..ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر: )فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ ({النساء: 4/12}، فالآية الكريمة دلت تظاهرها على أن الميت إن كان معه أكثر من أخت لأم فلهن جميعا الثلث فقط، وإذا كان مع الميت أيضا أكثر من أخ لأم وأخت لأم فليس لهم جميعا إلا الثلث، فالأخت لأم إذا اجتمعت مع إخوتها لم فلها مثل حظ أحدهم سواء سواء([3]).
وعليه فمهما كانت التفرقة بين الرجل والمرأة واضحة في الإرث فذلك لا يعني أن الإسلام منح ميزة للرجل على المرأة، لأن الرجل مكلف بالإنفاق، فلكل منهما خصائص ومميزاته مما يؤدي إلى اختلاف وظائف كل واحد منهما، يقول سبحانه وتعالى: )وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا( {النساء: 4/32}.








