هاشــم الخياطــي
في خطوة أثارت الكثير من الجدل، عاد الكهل جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، ليتخذ موقفًا مناقضًا للسياسة الرسمية لواشنطن، مهاجمًا الاعتراف التاريخي للولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي ، كخيار جاد وواقعي لإنهاء النزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية المغربية .
غير أن بولتون، الذي لا يُعد خبيرًا بالملف ولا مطّلعًا على تعقيداته، لم يعد سوى موظف سابق مُطرود، تحول إلى أداة صوتية في ماكينة دعائية انفصالية تتجاهل ماضيه المليء بالمواقف الفاشلة والمثيرة للجدل، من أجل لحظة إعلامية عابرة ولو على حساب مبادئ تدّعي الجزائر الدفاع عنها.
ومنذ إبعاده عن المشهد السياسي الأمريكي عام 2019 بعد إقالته من قبل الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي وصفه حينها بـ”الغبي” و”المُسرِّب لأسرار أمنية”، يعيش بولتون عزلة سياسية واضحة. ورغم ذلك، تُقدّمه وسائل الإعلام الجزائرية في كل مرة كصوت نشاز من “داخل القرار الأمريكي”، في محاولة للتضليل وتضخيم حججه المهترئة.
الحقيقة أن بولتون اليوم مجرد محلل فاشل معزول بلا موقع رسمي ، ولا تأثير داخل البيت الأبيض أو الكونغرس، بل إن علاقته بالقيادة الجمهورية نفسها متوترة، خصوصًا مع ترامب الذي سحب منه التصاريح الأمنية وأوقف حمايته الشخصية. وهكذا، لا يتجاوز حضوره سوى صدىً باهت تستغلها أطراف معادية للوحدة المغربية .
ومن المثير للشفقة أن يخرج الشيخ الكهل جون بولتون من غياهب النسيان ، ليهاجم فرنسا بدعوى “انحيازها” للمغرب في قضية الصحراء. الحقيقة أن بولتون لا يدافع عن “حق تقرير المصير” كما يزعم، بل يتمسّك بخرافة تجاوزها الزمن ودفنها المجتمع الدولي تحت ركام الواقع الجيوسياسي الجديد.
يا شيخهم غير الوقور عليك أن تعلم وتتعلم أن فرنسا مثلها مثل القوى الكبرى، لم تنحز للمغرب، بل انحازت للمنطق والشرعية الدولية، فمبادرة الحكم الذاتي المغربية ليست شعاراً سياسياً، بل مشروعاً واقعياً نال اعترافاً ودعماً متزايداً من العواصم المؤثرة في العالم. بينما الكهل بولتون، بخطاباته البالية، يجد نفسه اليوم ينبح خارج السرب ، كمن يحاول عبثاً إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.
عليك أن تعلم علم اليقين أن عزلتك يا شيخ بولتون السياسية ، تتجلى بوضوح في مقابل المشهد الدولي الراهن: دول تفتح قنصلياتها في الأقاليم الجنوبية المغربية، مؤسسات أوروبية وأمريكية تناقش تصنيف مرتزقة “البوليساريو” تنظيماً إرهابياً بحكم تورطها في الإرهاب وتهديد الاستقرار بالساحل، واعترافات متزايدة بسيادة المغرب على صحرائه. فهل يبقى لمثل تصريحاتك المهترئة وزن أو تأثير؟
جون بولتون… السياسي المتقاعد الذي يبيع الأوهام على أرصفة النسيان ، هذا الرجل “الدمية “الذي لفظته الإدارة الأمريكية نفسها، لم يجد أمامه سوى الاحتماء بأطروحات بالية لا يسمعها اليوم سوى بقايا من خردة البازاريو عفوا “البوليساريو”. بينما العالم بأسره ـ من واشنطن إلى بروكسيل ومن مدريد إلى عواصم إفريقيا ـ يتحدث بلغة واحدة: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الواقعي الوحيد.
بولتون يعيش عزلة سياسية خانقة، يصرخ خارج السرب وكأنه آخر من لم تصله أخبار افتتاح القنصليات بالأقاليم الجنوبية للمملكة، أو توسّع رقعة الاعترافات بمغربية الصحراء. الأسوأ من ذلك، أنه يتجاهل أن النقاش الدولي اليوم تجاوز بكثير “وهم الانفصال” نحو تصنيف مرتزقة “البوليساريو” تنظيماً إرهابياً بسبب ارتباطاته المشبوهة بميليشيات الساحل ، وتورطه في الحرب في سوريا إبان الرئيس المخلوع بشار بلا أسد .
الحقيقة التي يرفض بولتون استيعابها ، أن الملف يتجه نحو الحسم النهائي تحت السيادة المغربية، والحكم الذاتي كحلّ وحيد واقعي وعملي. أما محاولاته لإحياء أطروحات “الانفصال” فليست سوى صراخ في الفراغ، لن يغيّر من واقع أن العالم اليوم يتحرك بثبات في اتجاه واحد: المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.
في النهاية، بولتون ليس سوى موظف سابق يبحث عن دور مفقود، يحاول بيع الأوهام في سوق سياسي لم يعد أحد فيه يشتري بضاعته الفاسدة. أما عقارب الساعة التي يريد إعادتها إلى الوراء، فقد تكسرت منذ زمن طويل أمام صلابة الموقف المغربي ، وحتمية الحل القائم على السيادة الوطنية.
باختصار: العالم يتقدّم نحو المستقبل مع المغرب… والشيخ غير الوقور بولتون يتيه في الماضي مع أشباح “البوليساريو“.ربما ملأ جيبه من خزينة الجارة الشرقية .فما السبب في خروجه في هذا الوقت بالذات ؟ ، أسئلة محرجة طرحها العديد من متتبعي المتقاعد جون بولتون الفاقد لكل حواسه إلا حاسة الشم للبحث عن الدينار المتحول للدولار .









