مستجدات

دراسة ترسم ملامح المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب إلى أفق 2035

طاقم ALLNEWS17 أغسطس 2026
دراسة ترسم ملامح المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب إلى أفق 2035

الشباب حاضرون في السياسة.. لكن خارج القنوات التقليدية

هاشــم الخياطــي

أعادت دراسة استراتيجية حديثة حول المشهد الحزبي والانتخابي في المغرب طرح سؤال المشاركة السياسية ومستقبل الوساطة الحزبية، في ظل اتساع دائرة العزوف الانتخابي وتراجع منسوب الثقة في الأحزاب، مقابل استمرار الاهتمام بالشأن العام، خصوصا في صفوف الشباب.

الدراسة، الصادرة في يونيو 2026 عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، خلصت إلى أن أكبر قوة انتخابية في المغرب لم تعد مرتبطة بحزب سياسي بعينه، بل تتمثل في ما أسمته «الفئة الصامتة»، أي المواطنين الذين يملكون حق التصويت ولا يشاركون في الانتخابات، سواء لعدم تسجيلهم في اللوائح الانتخابية أو لعدم توجههم إلى صناديق الاقتراع.

وتكشف أرقام انتخابات 2021 حجم هذه الظاهرة؛ إذ بلغ عدد المواطنين في سن التصويت نحو 25.23 مليون شخص، مقابل 17.51 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين فعليا 8.8 ملايين. وبذلك ظل حوالي 16.4 مليون مواطن خارج العملية الانتخابية، وهو ما يعادل نحو 65.1 في المائة من مجموع المواطنين المحتملين للتصويت.

وترى الدراسة أن هذه الأرقام لا يمكن اختزالها في ضعف الحملات الانتخابية أو محدودية التعبئة، بل تعكس أزمة أعمق تتصل بمدى قدرة الأحزاب على أداء وظيفة الوساطة بين المجتمع والمؤسسات. فكلما اتسعت الهوة بين المواطن والفاعل الحزبي، أصبحت الانتخابات مهددة بأن تتحول إلى آلية لتمثيل أقلية منظمة، في وقت تظل فيه أغلبية المواطنين بعيدة عن صناديق الاقتراع.

وتبرز المعطيات التاريخية بدورها مسارا متذبذبا للمشاركة الانتخابية، بعدما سجلت مستويات مرتفعة خلال مراحل سابقة، قبل أن تتراجع إلى 67.4 في المائة سنة 1984، و58.3 في المائة سنة 1997، و51.6 في المائة سنة 2002، وصولا إلى أدنى مستوى سنة 2007 بنسبة 37 في المائة. ورغم تحسن النسب لاحقا، إذ بلغت 45.4 في المائة سنة 2011 و43 في المائة سنة 2016 ثم 50.35 في المائة في انتخابات 2021، فإنها لا تزال تعكس تحديا بنيويا بالنسبة إلى الحياة السياسية.

وتضع الدراسة أزمة الثقة في صلب تفسير العزوف الانتخابي، معتبرة أن جزءا من الأحزاب أصبح أكثر انشغالا بالتوازنات التنظيمية والتحالفات وتدبير المواقع، على حساب بناء هويات سياسية وبرامج واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم.

وتعزز أرقام الثقة هذه الخلاصة، إذ تشير معطيات الموجة الثامنة من «Arab Barometer» خلال 2023-2024 إلى أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المائة، مقابل 38 في المائة بالنسبة إلى البرلمان و33 في المائة بالنسبة إلى الحكومة. وفي المقابل، يظل دعم النظام البرلماني التعددي مرتفعا، في حدود 68 في المائة، بما يوحي بأن الإشكال لا يرتبط برفض الديمقراطية، بقدر ما يرتبط بأزمة الثقة في جزء من الفاعلين والقنوات الحزبية.

كما تتوقف الدراسة عند التحولات الكبيرة التي عرفتها الخريطة الانتخابية بين 2016 و2021، حيث انتقل أحد الأحزاب من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا، فيما ارتفع رصيد حزب آخر من 37 إلى 102 مقعد. غير أنها تنبه إلى أن هذه التحولات لا يمكن تفسيرها فقط بتغير توجهات الناخبين، بالنظر إلى تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي خلال انتخابات 2021، وما ترتب عنه من إعادة توزيع للمقاعد.

وتحذر الدراسة من أن استمرار التقلب في الاختيارات الانتخابية قد يعزز ما وصفته بـ«التصويت العقابي الظرفي»، بدل ترسيخ اختيارات سياسية مستقرة تقوم على البرامج والأفكار والمشاريع المجتمعية.

وتربط الدراسة بين العزوف السياسي وعدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. وتورد معدل بطالة وطنيا في حدود 13 في المائة، مقابل 37.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات.

غير أن الدراسة ترفض اختزال علاقة الشباب بالسياسة في العزوف، معتبرة أن جزءا مهما منهم لم يبتعد عن الاهتمام بالشأن العام، وإنما ابتعد عن القنوات السياسية التقليدية، وانتقل تفاعله إلى الفضاء الرقمي.

وتتصدر قضايا التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية والبيئة اهتمامات واسعة في النقاشات الشبابية على المنصات الرقمية، وهو ما يطرح على الأحزاب تحديا جديدا يتمثل في قدرتها على الانتقال من أدوات التعبئة التقليدية إلى أشكال أكثر انفتاحا وتفاعلا مع جيل جديد من الناخبين.

وفي المقابل، سجلت الدراسة تطورا إيجابيا في تمثيلية النساء داخل البرلمان، التي انتقلت من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021، معتبرة أن هذا المسار يؤكد إمكانية تحقيق تحول ملموس عندما تتوفر آليات مؤسساتية واضحة، مع التشديد على ضرورة تجاوز الحضور العددي نحو المشاركة الفعلية في صناعة القرار.

وترسم الدراسة، في أفق سنة 2035، مجموعة من المقترحات لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، تبدأ من إصلاح الوساطة الحزبية من الداخل، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط البرامج الانتخابية بأهداف قابلة للقياس والتقييم، فضلا عن تسهيل التسجيل في اللوائح الانتخابية وتطوير آليات المشاركة السياسية محليا ورقميا.

وتقترح الدراسة أهدافا طموحة، من بينها رفع نسبة المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة، وتقليص حجم «الفئة الصامتة» إلى 40 في المائة، وخفض معدل البطالة الوطنية إلى 5 في المائة، ورفع النمو الاقتصادي إلى 6 في المائة.

غير أن تحقيق هذه الأهداف، بحسب خلاصات الدراسة، لن يكون رهينا بحملات انتخابية موسمية أو بخطابات ظرفية، وإنما بإعادة بناء الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وجعل الانتخابات مرتبطة بشكل مباشر بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وإحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.

وبذلك تضع الدراسة الأحزاب المغربية أمام اختبار يتجاوز مجرد الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، نحو سؤال أكبر يتعلق بقدرتها على استعادة المواطن إلى المجال السياسي وإقناعه بأن صوته قادر على إحداث الفرق. فالمعركة الانتخابية المقبلة قد لا تكون فقط بين الأحزاب على المقاعد، بل بين السياسة والعزوف، وبين الثقة وفقدان الثقة، وبين نموذج حزبي تقليدي ومشهد سياسي جديد يتشكل تدريجيا في أفق 2035.

 

الاخبار العاجلة