550 ألف متظاهر وآلاف الاعتقالات
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية
تواجه فرنسا واحدة من أعنف موجات الاضطرابات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، بعدما تحولت احتجاجات السبت 17 أكتوبر الجاري إلى مواجهات وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن الكبرى، وسط انتقادات حادة للأجهزة الأمنية بسبب إخفاقها في تقدير حجم التعبئة والاستعداد لمواجهة تداعياتها.
واعترف وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، بوجود اختلالات في الاستعداد الأمني، مؤكدا أن حجم المشاركة تجاوز التوقعات الأولية، وأن قوات الأمن فقدت السيطرة على الوضع في بعض المدن، بعدما عجزت الإمكانات المنتشرة ميدانيا عن مواكبة اتساع الاحتجاجات وتصاعد أعمال العنف.
بحسب المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام فرنسية، قدرت السلطات مشاركة نحو 550 ألف شخص في الاحتجاجات، مقابل توقعات أولية لم تتجاوز 200 ألف، فيما رفع المنظمون تقديراتهم إلى نحو 800 ألف مشارك. وكشف هذا الفارق عن قصور في تقدير حجم التعبئة الشعبية، وفي الاستعداد لمواجهة الانفلات الذي شهدته بعض المناطق.
وامتدت الاحتجاجات إلى باريس ومرسيليا وليون وبوردو وليموج ومدن أخرى، حيث شهدت بعض الأحياء مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المحتجين، تخللتها عمليات نهب وإضرام للنيران وتخريب لمحلات تجارية ومبانٍ عامة. ولجأت قوات الأمن إلى الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، في محاولة لاحتواء الوضع وإعادة النظام إلى الشوارع المتضررة.
ووفق الحصيلة التي أوردتها تقارير إعلامية حتى 19 أكتوبر، تجاوز عدد الموقوفين 2400 شخص، فيما أصيب نحو ألف من أفراد الشرطة وقوات الأمن خلال المواجهات، في مؤشر على حجم الضغط الذي واجهته القوات المنتشرة في الميدان. كما أفادت تقارير بمصرع متظاهر واحد، في انتظار استكمال التحقيقات المتعلقة بملابسات الوفاة.
ولم تقتصر الخسائر على المواجهات المباشرة، بل امتدت إلى الممتلكات العامة والخاصة، مع تسجيل أضرار في محلات تجارية ومرافق ومبانٍ عامة. وأعلنت الحكومة توجهها إلى دعم الأنشطة التجارية المتضررة، بالتوازي مع تشديد التدابير الأمنية وملاحقة المتورطين في أعمال العنف والتخريب.
وانطلقت التعبئة أساسا من أوساط طلابية، احتجاجا على تدهور أوضاع التعليم والخدمات العامة، قبل أن تتسع لتشمل نقابات وعمالا ونشطاء وشرائح اجتماعية تعبر عن استيائها من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وتكشف هذه التطورات عن أزمة تتجاوز الجانب الأمني، إذ تتداخل المطالب الاجتماعية والاقتصادية مع تنامي الشعور بالتهميش وضعف الاستجابة الحكومية لانتظارات فئات واسعة من المواطنين. وفي المقابل، لا تبرر هذه المطالب أعمال النهب والاعتداء على الممتلكات، التي تزيد من تعقيد الأزمة وتلحق أضرارا بالسكان والتجار.
وأمام الانتقادات التي طالت التدبير الأمني للاحتجاجات، قدم لوران نونيز استقالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، غير أن الأخير رفض قبولها يوم الاثنين 19 أكتوبر، مبررا قراره بضرورة ضمان استمرارية قيادة قوات الأمن في الظرفية الحالية.
وأقرّت الرئاسة بوجود اختلالات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية، ودعت إلى اعتماد أساليب جديدة للتعامل الميداني مع أعمال التخريب. كما كلف ماكرون رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو بتنسيق الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة، فيما اتجهت السلطات إلى فرض قيود محلية على التجمعات وحظر تجول في بعض المناطق، خصوصا بالنسبة إلى القاصرين.
وتضع هذه الأحداث الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج: استعادة الأمن وحماية الممتلكات من جهة، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى. فالاكتفاء بالإجراءات الأمنية، من دون حوار جدي بشأن التعليم والقدرة الشرائية والخدمات العامة، قد يحد من مظاهر العنف مؤقتا، لكنه لا يضمن إنهاء حالة الاحتقان.
وحتى 21 أكتوبر الجاري، لا يزال المشهد الفرنسي محكوما بتداعيات أحداث 17 أكتوبر، وبالأسئلة التي أثارتها بشأن جاهزية الأجهزة الأمنية وقدرة الحكومة على استيعاب الغضب الاجتماعي. وبين رفض العنف والإقرار بمشروعية الاحتجاج السلمي، تبقى معالجة جذور الأزمة العامل الحاسم في تجنب موجات جديدة من الاضطرابات.










