مستجدات

قانون المحاماة يدخل حيز التنفيذ والأزمة المهنية تضع العدالة أمام اختبار جديد

طاقم ALLNEWS21 أغسطس 2026
قانون المحاماة يدخل حيز التنفيذ والأزمة المهنية تضع العدالة أمام اختبار جديد

فالقانون دخل حيز التنفيذ، لكن معركة تنزيله بدأت للتو.

الأستاذة عبلة بوزكري : محامية بهيئة القنيطرة

دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرحلة جديدة، بعد نشره، اليوم الخميس 20 غشت 2026، بالجريدة الرسمية عدد 7536، ليصبح النص رسميا في دائرة النفاذ والتطبيق، منهيا بذلك مسارا تشريعيا ودستوريا طويلا، من دون أن يضع حدا للأزمة التي تخيم على علاقة هيئات المحامين بالسلطات المعنية.

ويأتي صدور القانون في ظرف مهني استثنائي، إذ تواصل هيئات المحامين بالمغرب التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، بناء على قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر يوم الثلاثاء 18 غشت الجاري. وبذلك، يجد القانون الجديد نفسه أمام أول اختبار عملي له، في وقت لم تهدأ فيه بعد تداعيات الخلاف الذي رافق مراحل إعداده ومناقشته والمصادقة عليه.

ولم يعد النقاش، بعد نشر النص في الجريدة الرسمية، مرتبطا فقط بمضامين المشروع أو بمساره داخل المؤسسة التشريعية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بكيفية تنزيل مقتضياته ومدى قدرة مختلف المتدخلين على تجاوز حالة الاحتقان وإعادة بناء جسور الثقة والحوار.

وكانت المحكمة الدستورية قد أعلنت، في قرار صادر بتاريخ 10 غشت 2026، تعذر البت، على حالها، في الإحالة المتعلقة بالنظر في مدى مطابقة القانون رقم 66.23 للدستور، قبل أن يستكمل النص مسار إصداره وينشر في الجريدة الرسمية.

ويضع القانون الجديد إطارا شاملا لتنظيم مهنة المحاماة، من خلال تحديد شروط الولوج إليها وممارسة مهامها، وقواعد التكوين والتمرين والتسجيل، إلى جانب الحقوق والواجبات والمساطر المهنية والتأديبية. كما يؤكد مكانة المحاماة باعتبارها مهنة حرة ومستقلة وجزءا من أسرة القضاء، تضطلع بدور أساسي في الدفاع عن الحقوق والحريات والمساهمة في تحقيق العدالة وضمان شروط المحاكمة العادلة.

وبحسب المادة 146 من القانون، دخل النص حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره، مع استثناء بعض المقتضيات التي يظل تطبيقها مرتبطا بصدور النصوص التنظيمية اللازمة. وهو ما يعني أن مرحلة التطبيق ستتواصل على مستويات متعددة، وستكون مرتبطة أيضا بسرعة استكمال الإطار التنظيمي وتوضيح عدد من الآليات العملية التي يتطلبها تنزيل القانون.

غير أن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني بالضرورة نهاية الجدل. فاستمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية يثير تساؤلات جدية بشأن انعكاسات الأزمة على سير عدد من القضايا والجلسات، وعلى مصالح المتقاضين الذين يجدون أنفسهم في قلب توتر مهني ومؤسساتي يتجاوز أطراف الخلاف المباشرين.

وتبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من سيناريو؛ فإما أن يفضي الحوار إلى معالجة النقاط الخلافية وتهيئة شروط تنزيل القانون في أجواء توافقية، أو أن يستمر الاحتقان بما قد يضاعف الضغط على منظومة العدالة ويطيل أمد الاضطراب داخل المحاكم.

وهكذا، يكون قانون المحاماة الجديد قد خرج من رفوف النقاش التشريعي إلى ميدان التطبيق، لكن دخوله حيز النفاذ تزامن مع استمرار واحدة من أبرز الأزمات المهنية التي تعرفها منظومة العدالة. وبين نص أصبح نافذا ومحامين يواصلون الاحتجاج والتوقف عن الخدمات، يبقى الرهان الأكبر معلقا على الحوار وقدرة مختلف الأطراف على إيجاد مخرج يحفظ مكانة المهنة ويصون حقوق المتقاضين ويضمن السير العادي لمرفق العدالة.

مرحلة ما بعد النشر.. اختبار الثقة قبل اختبار النص

ويطرح هذا التطور سؤالا محوريا حول العلاقة بين التشريع والواقع المهني؛ إذ إن صدور القانون ونشره بالجريدة الرسمية يمنحانه قوة قانونية، لكنه لا يكفي وحده لضمان تنزيل سلس وهادئ لمقتضياته، خاصة في ظل استمرار حالة الاحتجاج داخل صفوف المحامين.

فنجاح أي إصلاح يتعلق بمهنة المحاماة يظل مرتبطا، إلى جانب وضوح النصوص القانونية، بمدى انخراط المهنيين في تنزيلها، باعتبار المحامي أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة وشريكا مباشرا في ضمان حقوق الدفاع وحسن سير المحاكمات.

ومن المرتقب أن تركز المرحلة المقبلة على عدد من الملفات العملية، في مقدمتها شروط الولوج إلى المهنة، ومسارات التكوين والتمرين، وتنظيم الهيئات المهنية، فضلا عن القواعد الجديدة المرتبطة بالممارسة والمسؤولية والتأديب. كما ستشكل النصوص التنظيمية المنتظرة محطة أساسية لاستكمال البناء القانوني الذي يقوم عليه القانون الجديد.

وفي خضم هذا الوضع، يبرز المتقاضي باعتباره الطرف الأكثر تأثرا بأي استمرار للأزمة، بالنظر إلى ارتباط عدد كبير من الإجراءات القضائية بحضور الدفاع ومواكبة المحامين لملفات موكليهم.

ومن شأن استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية أن يضاعف من الضغط على المحاكم، ويؤثر على وتيرة معالجة بعض الملفات، خصوصا في القضايا التي تتطلب مؤازرة الدفاع أو متابعة الإجراءات والمساطر القضائية.

لذلك، فإن البحث عن مخرج للأزمة لا يرتبط فقط بمطالب المحامين أو بموقف الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، بل يكتسي أيضا بعدا يتعلق بضمان استمرارية مرفق العدالة وحماية مصالح المواطنين.

وتبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه هذا الملف. فاستمرار التوقف المهني قد يدفع نحو مزيد من التعقيد، في حين يمكن لعودة الحوار أن تفتح الباب أمام معالجة الإشكالات المرتبطة بتنزيل القانون وتفسير بعض مقتضياته وإيجاد صيغ توافقية بشأن الملفات التي ما تزال محل خلاف.

ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه منظومة العدالة إلى استقرار مهني ومؤسساتي، بالنظر إلى الأوراش الإصلاحية التي تعرفها، وما يرافقها من رهانات مرتبطة بتحديث التشريع، وتحسين ظروف التقاضي، وتعزيز النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات.

وبينما أصبح القانون رقم 66.23 واقعا تشريعيا نافذا، فإن الأزمة التي رافقت مساره لم تغادر المشهد بعد. فالنشر في الجريدة الرسمية أنهى مرحلة من مراحل القانون، لكنه فتح في المقابل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: كيف سينتقل النص من الورق إلى الممارسة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على ما ستسفر عنه الاتصالات والحوار بين مختلف الأطراف، وعلى قدرة الجميع على تجاوز منطق المواجهة نحو البحث عن حلول عملية تحافظ على استقلالية مهنة المحاماة ومكانتها داخل منظومة العدالة.

وفي انتظار اتضاح مآل التوقف المهني، يبقى قانون المحاماة الجديد أمام امتحانه الأول؛ امتحان التطبيق، واختبار الثقة بين المشرع والمهنيين، ورهان ضمان ألا تتحول الخلافات القانونية والمهنية إلى عبء إضافي على المتقاضين وسير العدالة.

الاخبار العاجلة