الدكتور الجامعي أبو الشتاء
الشباب في صلب السياسات العمومية.. من التوجيه الملكي إلى امتحان التنفيذ
الملك محمد السادس يضع الثقة وتكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي في قلب معادلة المستقبل، ويعيد مسؤولية تمكين الشباب إلى واجهة النقاش حول السياسات العمومية.
“ كما يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.وذلك بما يعزز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.” مقتطف من الخطاب الملكي السامي.
في هذا المقتطف الذي تضمنه خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، تبرز قضية الشباب باعتبارها إحدى القضايا المركزية التي ينبغي أن توجه اختيارات السياسات العمومية، لا باعتبارها ملفا اجتماعيا معزولا أو شعارا مناسباتيا يطفو على سطح الخطاب السياسي ثم يتوارى مع انفضاض المجالس وانتهاء اللقاءات الرسمية.
فعندما يؤكد جلالة الملك ضرورة وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، فإنه يضع أمام المؤسسات سؤالا جوهريا يتجاوز حدود البرامج المعلنة والأرقام المقدمة: إلى أي حد يستطيع الشاب المغربي أن يشعر بأن وطنه يمنحه فرصا حقيقية لبناء مستقبله، وأن اجتهاده وكفاءته وطموحه كفيلة بفتح أبواب الارتقاء الاجتماعي أمامه؟
إن أهمية هذا التوجيه تكمن في الربط الواضح بين ثلاث قضايا متكاملة: تكافؤ الفرص، والتعليم والتأهيل، والإدماج الاقتصادي. وهي حلقات لا يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، لأن التعليم الذي لا يقود إلى اكتساب الكفاءات المطلوبة في سوق الشغل قد يتحول إلى محطة انتظار طويلة، والتأهيل الذي لا تليه فرص فعلية للعمل يبقى محدود الأثر، فيما يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص ناقصا إذا ظلت الانطلاقة الاجتماعية والاقتصادية للشباب متفاوتة بفعل عوامل لا علاقة لها بالاستحقاق والكفاءة.
إن تكافؤ الفرص ليس مجرد عبارة جميلة في الوثائق الرسمية، بل هو اختبار يومي لمدى قدرة الدولة على ضمان شروط عادلة أمام جميع الشباب، بصرف النظر عن انتمائهم الاجتماعي أو المجال الجغرافي الذي ينحدرون منه أو الإمكانات المادية لأسرهم.
فالشاب الذي ينشأ في قرية نائية، ويواجه صعوبات في الوصول إلى تعليم جيد أو تكوين ملائم أو خدمات رقمية ومرافق أساسية، لا ينطلق بالضرورة من النقطة نفسها التي ينطلق منها شاب يستفيد من بنية تعليمية وتكوينية أفضل في مدينة كبرى. ومن ثم، فإن تحقيق الإنصاف يقتضي سياسات تأخذ بعين الاعتبار الفوارق المجالية والاجتماعية، وتوجه الاستثمار العمومي نحو المناطق والفئات الأكثر حاجة إلى الدعم.
ولا يمكن قياس نجاح السياسات الموجهة للشباب بعدد المبادرات التي يجري الإعلان عنها، وإنما بمدى قدرتها على تقليص الفوارق، وتوسيع قاعدة المستفيدين، وتحويل الفرص النظرية إلى إمكانات ملموسة للنجاح والاستقرار.
حين يضع الخطاب الملكي التعليم والتأهيل ضمن التصور المتكامل لقضايا الشباب، فإنه يلفت الانتباه إلى ضرورة تجاوز المقاربة التي تختزل النجاح التعليمي في الحصول على الشهادات، دون ضمان الارتباط الفعلي بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
فالمطلوب هو تعليم يزود الشباب بالمعارف والمهارات اللازمة، وتكوين مهني يستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وجسور فعالة بين المؤسسات التعليمية والجامعات ومراكز التكوين والمقاولات. كما يتطلب الأمر مواكبة الشباب في اكتشاف مؤهلاتهم، وتطوير قدراتهم، والاستعداد لمهن المستقبل، بما فيها المهن المرتبطة بالرقمنة والابتكار والاقتصاد الأخضر.
لكن الإصلاح لا يكتمل بتغيير البرامج أو تحديث المناهج وحده، بل يحتاج أيضا إلى تتبع مآلات الخريجين، وقياس مدى استفادتهم من التكوين، وتقييم قدرة المؤسسات على تمكينهم من الاندماج في الحياة المهنية.
فالشهادة ينبغي أن تكون مدخلا إلى بناء المستقبل، لا وثيقة تضاف إلى ملف الباحث عن العمل بينما تتآكل طموحاته تحت ضغط الانتظار.
يحتل الإدماج الاقتصادي موقعا حاسما في هذا التصور، لأن العمل لا يوفر للشاب دخلا فحسب، بل يمنحه الاستقلالية والشعور بالجدوى والقدرة على المشاركة في الحياة العامة واتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله.
ومن هنا، فإن التحدي لا يقتصر على إحداث فرص الشغل، بل يمتد إلى طبيعتها وجودتها واستقرارها، وإلى قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات الشابة وتوفير بيئة تشجع المبادرة والمقاولة والابتكار.
كما أن دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتقليص العراقيل الإدارية أمام المشاريع الناشئة، وتوفير المواكبة والتكوين، كلها إجراءات يمكن أن تسهم في تحويل طاقات الشباب من الانتظار إلى الإنتاج والمشاركة في خلق الثروة.
غير أن هذه الجهود تقتضي التنسيق بين السياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، حتى لا يجد الشاب نفسه محاصرا بين تكوين لا يلبي حاجات السوق، وفرص محدودة، ومساطر قد تجعل إطلاق مشروعه الخاص مغامرة محفوفة بالمخاطر.
لعل البعد الأعمق في المقتطف الملكي هو الربط بين تمكين الشباب وتعزيز ثقتهم في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص المتاحة أمامهم.
فالثقة ليست نتيجة خطاب مطمئن وحده، وإنما حصيلة تجربة يومية يلمس خلالها المواطن أن المؤسسات تستمع إليه، وأن القوانين تطبق على الجميع، وأن الكفاءة والاستحقاق يظلان معيارين أساسيين في الولوج إلى الفرص، وأن الشكاوى والتظلمات تجد قنوات فعالة للمعالجة.
وحين يشعر الشاب بأن الاجتهاد لا يضمن له بالضرورة فرصة عادلة، أو أن المبادرة تصطدم بعراقيل يصعب تجاوزها، فإن المسافة بينه وبين المؤسسات قد تتسع. أما حين يرى نتائج ملموسة لسياسات عمومية منصفة، ويلاحظ أن صوته مسموع وأن حقوقه مصونة، فإن الثقة تصبح قابلة للبناء والتجدد.
ومن هذا المنطلق، فإن تحسين علاقة الشباب بالمؤسسات لا ينبغي أن يُختزل في حملات التواصل أو اللقاءات التشاورية، بل يتطلب إرساء آليات للمشاركة والتتبع والتقييم، تتيح للشباب المساهمة في صياغة البرامج التي تستهدفهم، ومراقبة مدى تنفيذ الالتزامات المرتبطة بها.
إن دعوة جلالة الملك إلى جعل قضايا الشباب ضمن اهتمامات هيئات الحكامة توسع دائرة المسؤولية، فلا يعود الملف حكرا على قطاع حكومي بعينه، بل يصبح موضوعا للتنسيق والتقييم والمساءلة بين مختلف المؤسسات المعنية.
ويقتضي ذلك الانتقال من التدبير المجزأ إلى رؤية مشتركة تحدد الأولويات، وتوزع المسؤوليات، وتضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج. كما يقتضي نشر معطيات دقيقة حول فرص الشغل المحدثة، ومستوى استفادة الشباب من برامج التكوين والدعم، ومدى تقلص الفوارق بين الجهات، ونسب اندماج الخريجين في سوق العمل.
والأهم من ذلك، أن تكون هذه المؤشرات أساسا لتصحيح الاختلالات ومراجعة البرامج التي لا تحقق أهدافها، بدل الاكتفاء بتقديم حصيلة الأنشطة والاعتمادات المالية المرصودة.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة حجم الميزانيات التي أنفقت، بل يريد أن يعرف ما الذي تغير فعليا في حياته، وما إذا كانت السياسات العمومية قد قربته من العمل والاستقرار وتحقيق الذات.
إن ختام المقتطف الملكي بالإشارة إلى الحرية والكرامة والاستقرار يمنح قضية الشباب أبعادا تتجاوز الجانب الاقتصادي. فالمستقبل الأفضل لا يتحقق بالدخل وفرصة العمل وحدهما، بل يحتاج أيضا إلى صون الحقوق، واحترام القانون، وتكافؤ المعاملة، وتوفير بيئة تسمح للشباب بالتعبير عن آرائهم والمشاركة في الشأن العام والمساهمة في التنمية.
فالكرامة ترتبط بقدرة الإنسان على العيش من عمله، والحصول على خدمات أساسية ذات جودة، والشعور بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات. والحرية تتيح له توظيف طاقاته والمشاركة في النقاش العمومي، بينما يوفر الاستقرار إطارا ضروريا للتخطيط للمستقبل وبناء الأسرة وإطلاق المشاريع.
وهذه الأبعاد ليست متعارضة، بل يعزز بعضها بعضا؛ فالتنمية التي لا يشعر المواطن بثمارها قد لا تحقق وحدها الثقة المنشودة، كما أن الفرص الاقتصادية تحتاج إلى مؤسسات فعالة وقواعد واضحة وبيئة تحمي الحقوق وتشجع المبادرة.
إن الرهان الحقيقي الذي يطرحه هذا المقتطف لا يتعلق بمدى تكرار الحديث عن الشباب، بل بقدرة المؤسسات على ترجمة التوجيه الملكي إلى سياسات قابلة للقياس، ومواعيد واضحة للتنفيذ، ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق البرامج المتفرقة إلى رؤية متكاملة تجعل الشاب المغربي محور التخطيط والتقييم، وتمنح الأولوية للمناطق والفئات التي تواجه صعوبات أكبر، وتربط المسؤولية بالنتائج، وتفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في تحديد احتياجاتهم ومقترحاتهم.
إن الاستثمار في الشباب ليس عبئا على المالية العمومية، بل استثمار في الرأسمال البشري وفي قدرة البلاد على الابتكار والإنتاج والتنافسية. كما أن توسيع الفرص أمامهم يسهم في الحد من الإقصاء الاجتماعي، ويعزز إمكانات الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.
إن الخطاب الملكي الأخير في البرلمان ، وضع قضية الشباب في قلب معادلة التنمية، رابطا بين الإنصاف والتأهيل والعمل والثقة. ويبقى الامتحان العملي أمام الحكومة والبرلمان وهيئات الحكامة هو تحويل هذه المبادئ إلى التزامات واضحة ونتائج قابلة للتقييم.
فالشباب لا يحتاجون إلى أن يكونوا موضوعا دائما للخطب والبرامج فحسب، بل يحتاجون إلى أن يكونوا شركاء في صنع المستقبل، وأن يجدوا في مؤسسات وطنهم ما يؤكد أن الطموح ليس امتيازا اجتماعيا، وأن الاجتهاد يمكن أن يفتح أبواب الارتقاء، وأن الحرية والكرامة والاستقرار ليست وعودا مؤجلة، بل أهدافا تعمل السياسات العمومية على تحقيقها.









