هاشــم الخياطــي
في الحياة اليومية، كما في السياسة والإعلام والعلاقات الإنسانية، نصادف أحيانًا مواقف تدفعنا إلى الرد، إلى المواجهة، أو حتى إلى الانجرار نحو صراعات تبدو في ظاهرها مبررة. لكن الحكمة الإنجليزية التي تقول: “لا تُصارع خنزيرًا في الوحل… فتتسخ أنت ويستمتع هو” تختزل تجربة إنسانية عميقة، مفادها أن بعض المعارك لا تستحق خوضها، ليس لأنك ضعيف، بل لأنك أرفع من مستواها.
هذا المثل لا يتحدث عن الخنزير كحيوان بقدر ما يستخدمه كرمز لمن يتغذى على الفوضى، ويجد لذته في إثارة الجدل والانحدار بالخطاب إلى مستويات متدنية. حين تدخل معه في صراع، فإنك لا تهزمه، بل تمنحه ما يريد: الانتباه، الفوضى، والتشويش. والأسوأ من ذلك، أنك تخسر شيئًا من صورتك وقيمك، لأنك اضطررت للنزول إلى نفس المستنقع.
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح هذا المثل أكثر واقعية من أي وقت مضى. فكم من نقاش بدأ بفكرة وانتهى بسيل من الشتائم؟ وكم من شخص جرّ آخرين إلى معارك هامشية لا هدف لها سوى الاستفزاز؟ هنا، لا يكون الانتصار في الرد، بل في التجاهل. فالصمت أحيانًا ليس ضعفًا، بل موقف واعٍ يرفض الانحدار.
الأمر نفسه ينطبق على بعض الصراعات السياسية أو الإعلامية، حيث تُستدرج أطراف إلى سجالات عقيمة، تُهدر الوقت والطاقة دون أي نتيجة تذكر. الذكاء الحقيقي يكمن في اختيار المعارك، وفي إدراك أن الرد على كل هجوم ليس واجبًا، بل قد يكون خطأً استراتيجيًا.
هذا لا يعني الاستسلام أو القبول بالإهانة، بل يعني التمييز بين معركة تستحق الدفاع، وأخرى هدفها الوحيد جرّك إلى الوحل. فالشخص القوي ليس من يرد على كل شيء، بل من يعرف متى يرد، ومتى يصمت، ومتى ينسحب دون أن يخسر كرامته.
كخلاصة، تبقى هذه الحكمة دعوة إلى الارتقاء: أن نحافظ على نظافة أفكارنا، وعلى هدوء أعصابنا، وعلى مستوى خطابنا، مهما كان الاستفزاز. لأن النزول إلى الوحل سهل، لكن الخروج منه نظيفًا ليس كذلك دائمًا.










