هاشــم الخياطــي
ليس الدين صورة تُلتقط، ولا شعارًا يُرفع، ولا آية تُتلى في المحافل ثم تُنسى عند أول اختبار. ليس المطلوب أن نحمل المصحف تحت أذرعنا في الطرقات، بل أن نحمل معانيه في سلوكنا، وأن تنعكس آياته في تعاملاتنا، في صدقنا، في أمانتنا، في رحمتنا بالناس.
كم من إنسان يحفظ من القرآن الكثير، لكنه يعجز عن حفظ لسانه من الغيبة؟
وكم من آخر لا يجيد التلاوة، لكنه يجيد العدل، ويصون العهد، ويواسي المحتاج؟
القرآن لم ينزل ليكون زينة على الرفوف، ولا ليُستخدم سيفًا في وجه المخالفين، بل نزل ليُهذّب النفوس ويقيم ميزان القيم. حين يقول الله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان“ فهذه ليست جملة تُتلى في خطبة الجمعة فقط، بل مبدأ حياة، في البيت، في العمل، في السياسة، في الشارع.
ليست العبرة بعدد الختمات، بل بعدد القلوب التي لم تؤذها بكلمة.
وليست القيمة في طول الدعاء، بل في صدق النية ونظافة اليد.
المجتمع لا يحتاج مزيدًا من المتجادلين باسم الدين، بل يحتاج قدوة تمشي بين الناس، تبتسم في وجوههم، تفي بوعدها، وتخجل من ظلم غيرها. يحتاج من إذا اختلف احترم، وإذا غضب أنصف، وإذا قدر عفا.
الدين أخلاق قبل أن يكون طقوسًا، وسلوك قبل أن يكون شعارات. ومن يحمل أخلاق القرآن فهو يحمل رسالته الحقيقية، حتى وإن لم يرفع المصحف في كل حين.
فلنراجع أنفسنا:
هل نحن سفراء للقيم التي نؤمن بها؟
هل يطمئن الناس إلى عدلنا وأمانتنا كما يطمئنون إلى تلاوتنا؟
ليس المطلوب أن نظهر متدينين، بل أن نكون صالحين.
ليس المطلوب أن نحفظ النصوص فقط، بل أن نُحييها في واقعنا.
فحين يتحول الصدق إلى عادة، والرحمة إلى منهج، والعدل إلى مبدأ لا يُساوَم عليه… حينها فقط يمكن القول إننا لم نحمل المصحف بأيدينا فحسب، بل حملناه في أخلاقنا.









