مستجدات

ليسوا مجرد «كبار في السن».. إنهم جيل استثنائي

[TOUTES LES ACTUALITÉS]1 أكتوبر 2026
ليسوا مجرد «كبار في السن».. إنهم جيل استثنائي

هاشــم الخياطــي

يطلقون عليهم اليوم اسم «كبار السن»، لكن الحقيقة أنهم أبناء جيل استثنائي، جيل ربما لن يتكرر مرة أخرى.

ولدوا في أربعينيات وخمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. عاشوا طفولتهم وشبابهم في زمن كانت فيه الحياة أبسط، وأكثر صدقاً، وأكثر ارتباطاً بالإنسان.

إنهم الجيل الذي عاش بين عالمين؛ ولدوا في عالم تناظري، وعبروا مرحلة الشباب والنضج لينتقلوا تدريجياً إلى العصر الرقمي. عشوا سبعة عقود مختلفة، وعاصروا قرنين وألفيتين، وشاهدوا تحولات قلّما عرفتها أجيال أخرى بهذه الكثافة والسرعة.

نشِؤا في زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر قيمة من الأشياء. كانت القيم تنتقل داخل البيت والمدرسة والشارع. كانوا يذهبون  إلى المدرسة سيراً على الأقدام، تحت حرارة الصيف أو في برد الشتاء وأمطاره، يحملون محافظهم دون أن يشكوا.

كانوا يتابعون دروسهم من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، وينجحون دون دروس خصوصية أو أدوات رقمية. وكان التلميذ يكتب العقوبة عشر مرات أو أكثر ،  أو يحل المسائل أمام زملائه على السبورة، ويتعلم من أخطائه دون أن يفقد ثقته بنفسه.

هل يتذكرون ذلك الشعور الرائع عندما كان المعلم يطلب من أحدهم إحضار الطباشير،  أو بعض الأوراق من القسم المجاور؟ كانوا يدخلون ذلك القسم وكأنهم سفراء للأمم المتحدة، مملوؤون بالفخر والشعور بالمسؤولية!

إنهم جيل لم يعرف الهواتف المحمولة داخل المدرسة. لم يكن آباؤهم ينجزون واجباتهم بدلاً عنهم، ولم يكونوا يراقبون كل خطوة يخطونها. ومع ذلك، تعلموا الاعتماد على أنفسهم، وتحمل المسؤولية، وتدبير أمورهم بأنفسهم.

عاشوا أجمل سنوات شبابهم في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. تزوجوا، وعملوا ، وسافروا، وعاشوا المغامرات، ثم استقر بهم المقام، واكتسبوا مزيداً من الحكمة مع مرور السنوات.

شاهدوا واحدة من أعظم الثورات التكنولوجية في تاريخ البشرية. انتقلوا من الهواتف الثابتة التي كانت تتطلب أحياناً تدخل موظفة الهاتف لإتمام المكالمة، إلى مكالمات الفيديو مع أي شخص، في أي مكان من العالم.

انتقلوا من الرسائل المكتوبة بخط اليد إلى البريد الإلكتروني و«واتساب»، ومن أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت إلى الموسيقى الرقمية، ومن الصور المطبوعة إلى الفيديوهات عبر الإنترنت ومنصات البث.

كانوا يتابعون المباريات عبر الراديو، ثم على أجهزة التلفزيون بالأبيض والأسود، قبل أن يكتشفوا التلفزيون الملون، وصولاً اليوم إلى الشاشات الذكية فائقة الدقة.

كانوا يستأجرون أشرطة الفيديو من المتاجر، وأصبح بإمكانهم اليوم مشاهدة آلاف الأفلام خلال ثوانٍ، بمجرد ضغطة زر.

عرفوا بدايات الحوسبة، والبطاقات البنكية والأقراص المرنة. أما اليوم، فتحمل هواتفنا الذكية مكتبات كاملة من المعلومات والصور والذكريات.

ركبوا الدراجات الهوائية والدراجات النارية، ثم قادوا سيارات تعمل بالبنزين والديزل، وها هم اليوم خلف مقود سيارات هجينة وكهربائية.

كما عبروا خلال حياتهم العديد من الأوبئة والأمراض، من شلل الأطفال والتهاب السحايا والسل، إلى إنفلونزا الخنازير وجائحة كوفيد-19.

لكن ما يميز جيلهم  حقاً ، ليس كل ما شاهدوه من تقدم تكنولوجي، وإنما قبل ذلك كله القيم التي تربوا عليها.

كانوا يقفون في وسائل النقل لفسح مكانهم لكبار السن احتراماً لهم. وعندما كانوا يعثرون على قطعة خبز سقطت على الأرض، كانوا يلتقطونها ويقبلونها ويضعونها على جباههم تقديراً للنعمة واحتراماً للطعام.

كانوا يحترمون آباءهم ومعلميهم وجيراهم ورجال الأمن. وكانوا يتقاسمون طعامهم وأسرارهم وأحلامهم هم مع أصدقائهم.

عاشوا طفوتهم كانوا يشعرون فيها بالحرية والأمان. كانوا يلعبون  في الأزقة، وينامون أحياناً في أفنية المنازل عندما تنقطع الكهرباء، ويتحدثون ويضحكون ويحصون النجوم إلى أن يغلبهم النوم.

تربوا على الحب والتسامح والعفو. وكانوا بإمكانهم أن يخلدون إلى النوم وقد نسوا الخلافات الصغيرة التي وقعت بينهم خلال النهار.

واليوم، وبعد كل هذه الرحلة الطويلة، يكتشفون درساً جديداً، لا يقل أهمية عن كل الدروس السابقة: الوقت لا يتوقف أبداً.

ينظرون إلى الساعة فيجدون أنها السادسة مساءً. ينظرون إليها مرة أخرى، فإذا بأسبوع كامل قد مضى. ثم ينتهي الشهر، ثم تنتهي السنة. وفجأة يكتشفون أن خمسين أو ستين أو سبعين سنة مرت وكأنها لحظة خاطفة.

يبحثون عن بعض الأصدقاء فلا يجدونهم. ويشعرون بالحنين إلى أشخاص وأماكن وأيام لن تعود أبداً.

لذلك، لا تؤجل إلى الغد ما تحب أن تفعله اليوم.

لا تؤجل كلمة طيبة، ولا زيارة لشخص عزيز، ولا لحظة سعادة مع أبنائك وأحفادك وأصدقائك.

الأطفال يكبرون، والسنوات تمضي، وفي نهاية المطاف لا يبقى سوى الذكريات الجميلة والأشخاص الذين شاركوا حياتهم بالحب والصدق.

ليسوا مجرد «كبار في السن». هم جيل صقلتهم التجارب، جيل علّمه الزمن كيف يتكيف مع التغيير، مع الحفاظ على إنسانيته رغم كل التحولات التي أحاطت به.

تحية وتقديراً واحتراماً لكل أبناء هذا الجيل الجميل… جيل عرف البساطة، وأدرك قيمة الوقت، وتعلم أن أجمل ما في الحياة ليس ما ملكه، وإنما ما عاشه والأثر الجميل الذي تركه في قلوب من أحبوهم.

فـالوقت لا يعود أبداً…

اليوم هو يومهم.

لم يعد لديهم من العمر ما يكفي لتأجيل الحياة إلى الغد.

الاخبار العاجلة