كتبها الهادي بنعمر

لا شيء تغير. نفس التصرفات، نفس اللامبالات و تكريس الرداءة.
رداءة الطبع. رداءة المنهج، رداءة التصور.رداءة التحليل لواقع مزرأليم ، ورداءة اختيار الحلول . حلول تصب كلها في تأزيم الواقع المرير لعاصمة سلطانية ، تلاعبت وتتلاعب بمصالحها جماعة من الهواة والوصوليين،الذين تفننوا وابرعوا في تحقيق أهدافهم،والوصول لغاياتهم بقضاء مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة العامة. مصلحة المدينة والساكنة لتعم العشوائية في كل شيء، في كل مكان رغم أصوات المدينة الصادية العالية ،التي تتأوه وتتوجع لما ألم بها وبساكنتها من حرمان و ضياع وتقهقر لانعدام تسطير الأهداف وفداحة سوء التدبير و التسيير.
الساكنة اختلط عليها الأمر، فباتت لا تدرك ما أصاب مكناسة العليلة .المكناسيون يتساءلون . المكناسيون لا يعرفون أي طريق تسير فيه العاصمة الاسماعلية.
المكناسيون يتساءلون ليقولوا بلسان واحد: أمدينة مكناس أصبحت وراء تاريخها ؟ أم هي مدينة خرجت من التاريخ؟ أم مدينة وقف فيها التاريخ؟.

الكل كان يعتقد أن ما أصابها ليس إلا محنة عابرة ستزول لا محالة مع مر الزمان وتغيير الوجوه القديمة. لكن لا الزمان مر بسلام ، ولا الوجوه تغيرت ، لتبقى المدينة السلطانية تلعن حظها لأنها أدركت تمام الإدراك ، أن رحلة العودة إلى أمجادها باتت من المستحيلات السبع. وهنا لا بد من استحضار ما قاله لي صديق كريم مكناسي قح غيور، وهو يردد أبياتا من ديوان مجدوبها سيدي عبد الرحمان وكأنه تنبأ لما يصيبها الآن.
“تخلطات و ما بغات تصفى
ولعب خزها فوق ماها
رياس على غير مرتبا
هما اسباب خلاها ”
وهذا ما تعيشه اليوم مدينة مكناس ، التي تفاقمت مشاكلها وتنوعت . لقد سحقها التسييرالمعوج الأعوج، الفاسد المفسد الذي استباح فضاءاتها و أملاكها، لتتحول إلى برصة للقيم المنقولة وغير المنقولة تحت ذريعة تشجيع الاستثمار.
كل الممتلكات العمومية أصبحت في خبر كان. حتى المنشآت الترفيهية والرياضية التي بنيت بمال دافعي الضرائب لم تستثنى من قرارات التفويت ، لينعم بها محظوظون مقربون من أصحاب القرار الذين جعلوا منها قصة تتجدد أطوارها كل مرة . قصة تفاصيلها فاقت كل حدود السلب والنهب رغم حماية الاتفاقيات والالتزامات،رغم قانون الرقابة.
قصة بدأت مع المجلس السابق ،الذي قرر التخلي عن ثلاثة مسابح لفائدة شركة خاصة تدعى “سيتي كلوب.” و لولا يقظة الساكنة المكناسية التي نجحت بفضل احتجاجاتها أن تحول دون ذلك ، بدفع العمالة إلى تطبيق القانون التنظيمي رقم 14-113 المتعلق بالجماعات المحلية لقضي الأمر.
و اليوم ها هو المجلس الجديد القديم برئاسة “بحاجي” ونوابه الأحد عشر المفوض لهم في التقرير والإنجاز والتوقيع، وأغلبيته التي فشلت في وضع خارطة طريق لإخراج مكناس من عنق الزجاجة رغم كثرة الوعود ، التي تبقى مجرد وعود كاذبة في غياب سياسة استثمارية حقيقية ، وليس الإجهاز على منشآت اجتماعية ترفيهية بتفويتها للخواص بأبخس الأثمان ، أعني بذلك جميع مسابح المدينة . فهل ستشهر العمالة قانونها 14- 113 في إطار الرقابة كما فعلت في الماضي القريب أم أنها ستترك الحبل على الغارب ” و لهلا يقلب”؟ .

مكناسة الإسماعلية، بحمولتها التاريخية وتراثها الإنساني العالمي، باتت تلعن حظها وإلى الله تشتكي من خانها من أصحاب القرار و النفوذ ، خاصة أولئك الذين عمروا لما يقرب من ثلاثة عقود في مجالسها ، ليجعلوا منها مدينة لم تعد تنتمي لنفسها و لساكنتها ، بعدما جردوها من كل شيء جميل وأصيل كانت تتباهى به و تفخر.
مكناس حالتها ما هي حالة، يتألم لها كل قاطن بها أو زائر أو مجرد عابر. وليس هذا من باب البكائيات كما سبق للسيد الرئيس أن صرح به بفضاء كلية الآداب مؤخرا ، وإنما من باب تذكيره أن الأمر غير عاد وأن الأوضاع الكارثية لم تعد تطاق. أوضاع مأساوية فاقت كل المقاييس. أوضاع لم يعد أهل المدينة المسالمون الطيبون قادرون على تحملها.
في غياب سياسييها الذين لم يلتقطوا الإشارة ، في غياب ممثليها من نواب و مستشارين المعششين في القبتين والذين لم يحركوا ساكنا وكأني بهم يقولون للمكناسيين المغلوبين على أمرهم : ” مشاكل المدينة لا تعنينا، لا تلزمنا.
اذهبوا إلى الجحيم إنا هاهنا قاعدون. متفرجون متسليون بمآسيكم ومآسي حاضرتكم“.
ناسين أو بالأحرى متناسين العهود التي قطعوها على أنفسهم وهم في خضم خرجاتهم الانتخابوية. بئس القرار و بئس المصير.
لك الله يا مكناس! مكناس المستباحة ثرواتها التاريخية والمجالية. مكناس المغتصبة معالمها وحدائقها ونافوراتها وشوارعها وأزقتها وإنارتها العمومية.
اغتصاب أضحت آثاره واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ، التي لا يراها الرئيس “بحاجي “الذي يخرج علينا كل مرة بتصريحاته المستفزة وغير المسؤولة من قبيل مكناس مدينة “مزدهرة”. وهنا افتح قوسا لأقول للسيد الرئيس ، إذا لم تستحي فقل ما شئت. إن المضي في تعاليك واستكبارك وعنادك و انكارك للحقائق الماثلة للعيان إلا أعينك وأعين ممن يسبحون في فلكك من أعضاء مكتبك و أغلبيتك لا يخدمك ولا يخدم نوابك الخانعين لك لحاجات في نفس يعقوب ، والذين يلقون عليك باللوم في غيابك ليتبرؤوا من طريقة تدبيرك وتسييرك لمرافق المدينة في غياب تام لأية سياسة ناجعة.
الثلاثاء سادس فبراير 2024 , كان موعد انطلاق أشغال الدورة العادية لمجلسكم ، الساكنة حجت بكثرة لمركب الأحباس ليس حبا فيك ، و لكن لتنطق بما يشغل بالها . الساكنة جاءت لتحاصرك لأنك لا تتواصل، لأن جميع مطالبها لاتلقى آذانا صاغية. جاءتك لتحتج، لتسمع صوتها، لتصرخ في وجهك، لتقطع مداخلتك وأنت بصدد إلقاء عرضك. ولولا تدخل ممثل السلطة الذي نجح في تهدئة المحتجين لحصل ما لا يحمد عقباه.

الكل غاضب وممتعض .أرباب المقاهي, أصحاب المتاجر ،عمال النظافة الذين لم تؤدى لهم مستحقاتهم، الكل كان يريد و يريد ويريد لتبقى المشاكل بدون حلول.
سيقول قائل : أين العمالة من كل هذا التلاعب بمصالح المكناسيين؟
أليس من مهامها ممارسة الرقابة الإدارية على الجماعة ، خاصة وأن مشاكلها مستفحلة لا تنبأ بالخير.؟
صحيح أن التنظيم الترابي يرتكز على مبدأ التدبير الحر، أي أن للجماعات الترابية كامل الصلاحية و الحرية في تحديد اختياراتها و بلورة برامجها و مشاريعها التنموية، ليبقى دور العمالة منحصرا في مد يد المساعدة كما نص الدستور على ذلك في المادة 145، التي تبين أن دور العامل في علاقته بالجماعة الترابية هو دور المساعدة على تنفيذ المخططات و البرامج التنموية ، بعيدا عن كل وصاية كما كان الشأن قبل دستور 2011 .
لكن رغم تحصين مكانة الجماعة الترابية داخل النظام المؤسساتي المغربي ، و ضمان التدبير الحر تبقى هذه الأخيرة خاضعة للرقابة من طرف العامل بفضل المركز الإداري الذي يحتله و السلطات الإدارية التي يتوفر عليها.
رقابة تخص مداولات مجلسها ، وكذا نظامها الداخلي أضف إلى ذلك المقررات الصادرة عنها.
كما يمكن للعامل أن يلجأ إلى الرقابة القضائية على مقررات الجماعة ، كما تنص على ذلك المادة 73 من القانون التنظيمي14. 113.المتعلق بالجماعات الترابية .ومن بين ما نصت عليه هذه المادة لتفعيل مقتضاها: استمرار الاختلال في التسييروفي تدبيرالمرافق العمومية. وهذا ما تعيشه تماما العاصمة الاسماعلية. وهذا ما يعيق مساهمة العامل في تحقيق التنمية الاجتماعية والمجالية ، وتطبيق السياسة المتعلقة بالاستثمار بوضع تحفيزات للمستثمرين لجلبهم وإبرام اتفاقيات شراكة أيضا والبحث على الموارد المالية كما هو معمول به في المدن التي شهدت نموا فاق جميع التوقعات.
وهذا، بالنسبة لمدينة لمكناس، سيبقى بعيد المنال مع تساهل السيد العامل الذي، رغم جميع المجهودات المبذولة لتلطيف الأجواء ورأب الصدع بين مكونات هذا المجلس، لا زال التنافر سائدا ما دام الرئيس يفعل ما يحلو له ليبقى مغردا خارج السرب.
أما حان الوقت لكبح جماحه رحمة بالبلاد والعباد؟
الهادي بنعمر.







