مستجدات

من هيمنة الكاش إلى اقتصاد رقمي شامل: المغرب أمام اختبار الثقة والتحفيز

[TOUTES LES ACTUALITÉS]10 أبريل 2026
من هيمنة الكاش إلى اقتصاد رقمي شامل: المغرب أمام اختبار الثقة والتحفيز

أمين سامي: التحول لن يتحقق بالتكنولوجيا وحدها بل بمنفعة واضحة للتاجر والمواطن

أنوار لاركو

في ظل استمرار هيمنة المعاملات النقدية رغم تطور البنية الرقمية، يطرح تقليص الاعتماد على الكاش في المغرب كأحد أبرز الأوراش الاقتصادية المطروحة اليوم، ليس فقط من زاوية تكنولوجية، بل باعتباره رهانا مرتبطا بالثقة والحوافز وإدماج فئات واسعة من الفاعلين في الدورة الاقتصادية المهيكلة.

 وبين مؤشرات إيجابية تعكس نمو المحافظ الإلكترونية وتزايد استعمال الأداء المحمول، وأخرى تكشف بطء التحول السلوكي واستمرار ثقل القطاع غير المهيكل، تتجه الأنظار إلى كيفية إعادة تصميم هذا الانتقال بشكل عملي ومتدرج.

وفي هذا السياق، أكد أمين سامي خبير اقتصادي أن تقليص الاعتماد على الكاش في المغرب لا يندرج فقط ضمن التحول التكنولوجي، بل يرتبط أساسا بعوامل الثقة والحوافز والإدماج الاقتصادي، مشيرا إلى أن الأرقام الحالية تظهر استمرار ارتفاع حجم العملة المتداولة، مقابل نمو في الأداء الرقمي بوتيرة أبطأ من المطلوب. وصرح بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير الوسائل الرقمية بحد ذاتها، بل في جعلها أكثر نفعًا وأقل كلفة وأسهل استعمالًا مقارنة بالكاش بالنسبة للمواطن والتاجر.

وأفاد الخبير ذاته أن الحل يمر عبر ثلاث أولويات مترابطة، تتمثل أولا في تحفيز التجار الصغار من خلال تخفيض كلفة القبول الرقمي وتبسيط حلول الأداء عبر الهاتف وتقنية QR، مبرزا أن نقطة التحول الحقيقية توجد عند التاجر وليس فقط لدى المستهلك. وأضاف أن الأولوية الثانية ترتبط بتوسيع حالات الاستعمال اليومية للدفع الرقمي في مجالات النقل والتجارة الصغيرة والخدمات المحلية والفواتير، لأن الرقمنة تتحول إلى عادة حين تصبح جزءا من الحياة اليومية. أما الأولوية الثالثة، فتهم ربط الأداء الرقمي بمكاسب ملموسة، مثل تسهيل الولوج إلى التمويل الصغير والتغطية الاجتماعية وتوفير تحفيزات، حتى يشعر الفاعل الاقتصادي بأن الرقمنة فرصة وليست عبئا إضافيا.

وفي ما يتعلق بإدماج القطاع غير المهيكل، صرح أمين سامي بأن الأمر يتطلب مقاربة تدريجية قائمة على بناء “صفقة ثقة” في المقام الأول، من خلال تبسيط مساطر التسجيل وتخفيف الكلفة التنظيمية، وتحويل الأثر الرقمي للمعاملات إلى رصيد يمكن من الولوج إلى التمويل والحماية الاجتماعية. وأكد أن هذا القطاع يشكل جزءًا أساسيًا من الدورة الاقتصادية، وأن إدماجه عبر الأدوات الرقمية من شأنه تحسين الإنتاجية وتوسيع الشمول المالي وتعزيز العدالة المجالية.

وأضاف أن التحول نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على الكاش يُعد ورشًا استراتيجيًا يهم المالية والجباية والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية، ويتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الدولة والقطاع البنكي وشركات الأداء والفاعلين الاقتصاديين المحليين، مشددا على أن الرقمنة عندما تصبح مفيدة اقتصاديا قبل أن تكون إلزامية إداريا، فإن التحول سيحدث بشكل طبيعي ومستدام.

وفي سياق متصل، أفاد أمين سامي أنه من أجل تصميم سياسة مغربية عملية للفترة ما بين 2026 و2028، ينبغي اعتماد سبعة محاور تنفيذية متكاملة، تتمثل في خفض كلفة القبول الرقمي لصغار التجار إلى مستويات شبه صفرية في العمليات الصغيرة خلال مرحلة انتقالية محددة، وتعميم حلول QR وSoftPOS بدل الاعتماد الحصري على أجهزة الأداء التقليدية، إضافة إلى ربط برامج الدعم والتحويلات العمومية بحسابات الأداء والمحافظ الإلكترونية.

كما شدد على ضرورة إطلاق مسار تدريجي لإدماج القطاع غير المهيكل، يبدأ بالمحافظ الإلكترونية ثم التسجيل المبسط، يليه الولوج إلى التمويل والتغطية الاجتماعية، وصولًا إلى انتظام ضريبي تدريجي. وأوضح أيضًا أهمية اعتماد استهداف مجالي وتجاري دقيق يشمل المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وفاس، قبل التوسع نحو المدن المتوسطة والأسواق الكبرى، إلى جانب توظيف البيانات الرقمية البديلة لإرساء نظام تنقيط ائتماني مصغر لفائدة الفاعلين غير المهيكلين.

وأكد كذلك على أهمية إرساء حماية صارمة وواضحة للمستهلك، تقوم على تسعير شفاف، وآليات استرجاع سريعة، ونظام فعال لتدبير الشكايات، وضمان استمرارية الخدمة، معتبرا أن هذه العناصر ضرورية لبناء الثقة في المنظومة الرقمية.

وخلص أمين سامي إلى أن المغرب لا يعاني من نقص في الوسائل، بل من تحدي التحول السلوكي والمؤسساتي، مشيرا إلى أن عدد المحافظ الإلكترونية بلغ 13.7 مليون، وأن معاملات الأداء المحمول تضاعفت تقريبًا خلال سنة واحدة، كما تواصل المدفوعات بالبطاقات نموها، غير أن الكاش لا يزال يحتفظ بهيمنة نفسية وعملية، خاصة في ظل استمرار وزن القطاع غير المهيكل كخزان رئيسي للدوران النقدي.

وأكد في ختام تصريحه أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على رقمنة الأداء، بل يتعلق بإعادة تصميم الصفقة الاقتصادية بين الدولة والتاجر الصغير والمواطن، موضحًا أنه إذا استفاد المواطن من السهولة والثقة، واستفاد التاجر من تقليص التكاليف وفرص التمويل، وتمكنت الدولة من تحقيق شفافية تدريجية دون فرض صدمات، فإن الكاش سيتراجع بشكل طبيعي. أما إذا تم تقديم الرقمنة كخطاب تقني أو كآلية جبائية، فسيظل الكاش، حسب تعبيره، “المدير العام الفعلي للاقتصاد اليومي”

الاخبار العاجلة