هــاشم الخيــاطــي
لم يعد قرار رئيس الحكومة عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار مجرد تفصيل تنظيمي داخلي، بل تحول إلى مؤشر سياسي دالّ على مرحلة جديدة تُدار فيها السلطة بمنطق مغاير، حيث لم تعد الزعامة الحزبية درعًا واقيًا، ولا الاستقرار الحكومي ضمانة للاستمرار.
فالخطوة، التي تأتي مع اقتراب انتخابات 2026، تُقرأ داخل دوائر المتابعة باعتبارها جزءً من إعادة توزيع الأدوار داخل الحقل السياسي، ورسالة غير مباشرة مفادها أن زمن “الزعيم الجامع بين كل الخيوط” يقترب من نهايته، حتى في الأحزاب المحسوبة على مراكز القرار.
بعكس الخروج الصاخب الذي طبع تجارب سابقة، يختار أخنوش مسار “الانسحاب الهادئ” من القيادة الحزبية، دون صدامات داخلية أو ضغط انتخابي مباشر. غير أن هذا الهدوء لا يخفي حقيقة أعمق: الكلفة السياسية لتراكم السلطة داخل شخص واحد باتت مرتفعة، خاصة في سياق اجتماعي يتسم بتآكل الثقة وارتفاع منسوب الاحتجاج الصامت.
فالفصل بين رئاسة الحكومة وقيادة الحزب لا يبدو خيارًا شخصيًا صرفًا، بل أقرب إلى إعادة تموضع محسوبة، تهدف إلى تحصين التجربة الحكومية من تداعيات أي هزات انتخابية أو تنظيمية مقبلة، وترك الحزب يدخل مرحلة “ما بعد المؤسس الفعلي”.
قرار أخنوش يسلط الضوء أيضًا على أزمة أعمق: هشاشة الأحزاب نفسها. فالتجمع الوطني للأحرار، مثل غيره من الأحزاب الكبرى، بُني حول شخصيات أكثر مما بُني حول برامج أو مدارس فكرية، ما يجعل كل انتقال قيادي محفوفًا بمخاطر التفكك أو فقدان البوصلة.
ومع ذلك، يبدو أن النظام السياسي بات يفضل أحزابًا “قابلة للتدوير”، بقيادات قابلة للاستبدال، بدل زعامات قوية قد تتحول إلى عبء أو مركز توتر. وهو منطق يفسر لماذا أصبحت الاستقالات، الإعفاءات، وحتى الهزائم، جزءً من آلية الضبط بدل كونها أزمات طارئة.
في العمق، يحمل انسحاب أخنوش من قيادة الحزب رسالة واضحة إلى النخب السياسية: الاستمرار في الواجهة لم يعد حقًا مكتسبًا، بل وظيفة مؤقتة مرتبطة بالأداء، والسياق، ومدى الانسجام مع التوجهات الكبرى للدولة.
إنها مرحلة تُدار فيها السياسة بمخالب ناعمة، حيث لا يُسقط الفاعلون بالضرورة عبر المواجهة، بل عبر إعادة ترتيب الأدوار، وتقليص الهوامش، ودفعهم إلى الخروج من المركز دون ضجيج.
وهكذا، لا يبدو سؤال 2026 هو: من سيربح الانتخابات؟
بل: من سيُسمح له بالبقاء في قلب اللعبة، ومن سيُدفع إلى هامشها؟
إذا كان قرار عزيز أخنوش يرمز إلى نهاية مرحلة، فإن ما يلوح في الأفق هو مرحلة أكثر قسوة على مستوى إنتاج النخب. فالمغرب مقبل على استحقاقات لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، بل بمدى القدرة على تدبير الانتقال دون إرباك، وعلى تقديم وجوه “قابلة للتسويق” سياسيًا واجتماعيًا، دون أن تتحول إلى مراكز ثقل مستقلة.
المؤشرات المتداولة داخل الكواليس الحزبية تفيد بأن مرحلة ما بعد 2026 قد تشهد صعود قيادات تكنوقراطية أكثر منها سياسية، بمرجعيات تدبيرية بدل خطابية، وبحضور إعلامي مضبوط، في انسجام مع منطق الدولة الاجتماعية الذي يتطلب الفعالية أكثر من الصدام.
في المقابل، تبدو المعارضة أمام اختبار وجودي. فغياب الزعامات القوية، أو تحييدها، أفرغ جزءً كبيرًا من الخطاب المعارض من القدرة على التعبئة. العدالة والتنمية، الذي كان رأس حربة الاحتجاج المؤسساتي، فقد زخمه، فيما تعيش أحزاب اليسار حالة إنهاك تنظيمي، أما الأحزاب الإدارية السابقة فتبحث عن موقع داخل معادلة لم تعد تمنح امتيازات مجانية.
هذا الفراغ يطرح سؤالًا مقلقًا: هل يُعاد تشكيل الحقل السياسي بطريقة تُقلص هوامش الصراع وتوسع دائرة التدبير؟ أم أن الغليان المؤجل سينفجر خارج المؤسسات، في الشارع أو عبر أشكال جديدة من التعبير السياسي؟
التحولات الجارية لا يمكن فصلها عن التحول المركزي نحو نموذج “الدولة الاجتماعية”، الذي يتطلب استقرارًا سياسيًا، وانضباطًا حزبيًا، وتقليصًا لمساحات الشعبوية. وفي هذا السياق، تصبح الزعامات الصدامية عبئًا، بينما يُفضل الفاعل السياسي القادر على تنفيذ السياسات العمومية دون ضجيج.
من هنا، يمكن قراءة انسحاب أخنوش كحلقة ضمن سلسلة أوسع من “التكييف السياسي”، حيث تُعاد هندسة النخب بما ينسجم مع أولويات اجتماعية واقتصادية ضاغطة: الحماية الاجتماعية، التشغيل، التعليم، الصحة، الاستثمار، وتدبير الندرة.
ما يجري اليوم ليس مجرد تداول على المواقع، بل إعادة تعريف للسلطة السياسية نفسها. سلطة أقل صخبًا، أكثر تقنية، وأشد صرامة في محاسبة من يخرج عن الإيقاع العام.
وفي هذا المشهد، لا يسقط الفاعلون الكبار دفعة واحدة، بل يتآكل حضورهم تدريجيًا، إلى أن يغادروا المركز دون إعلان رسمي عن النهاية.
إنها سياسة بلا عناوين كبرى، لكنها مليئة بالرسائل الخفية.
وسيكون على انتخابات 2026 أن تكشف: هل نجحت هذه الهندسة الهادئة في إنتاج توازن مستدام؟ أم أنها تؤجل فقط لحظة الانفجار؟









