أثارت وفاة مهاجر مغربي يبلغ من العمر 43 سنة، خلال تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية، موجة من التفاعل الحقوقي، بعدما دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف يكشف جميع ملابسات الواقعة ويحدد المسؤوليات، مؤكدة أن الحق في الحياة يظل من الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية.
وقالت العصبة، في بيان لها، إنها تابعت بقلق بالغ ظروف وفاة المواطن المغربي، مشيرة إلى أن القضية ما تزال يلفها الغموض في ظل غياب نتائج رسمية للتحقيق أو توضيحات صادرة عن السلطات الإيطالية بشأن الأسباب الحقيقية للوفاة. كما تقدمت بتعازيها إلى أسرة الفقيد، معبرة عن تضامنها الكامل معها في هذه المحنة.
وأكدت الهيئة الحقوقية أن الحق في الحياة يمثل أسمى الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر مختلف أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وشدد البيان على أن استخدام القوة من قبل أجهزة إنفاذ القانون يخضع لضوابط دقيقة تقوم على مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب والمساءلة، وفقا للمبادئ الأساسية التي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 1990 بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، والتي تنص على أن اللجوء إلى القوة المميتة لا يكون إلا كخيار أخير ولحماية الأرواح، مع إلزام السلطات المختصة بفتح تحقيقات مستقلة وفعالة في كل حالة وفاة أو إصابة خطيرة تنتج عن تدخل أمني.
كما ذكرت العصبة بأن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة الثانية المتعلقة بالحق في الحياة، تفرض على الدول إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة وفعالة في جميع الوفيات التي تقع أثناء تدخلات أجهزة الدولة، بما يضمن كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات وإنصاف الضحايا وذويهم.
وأعربت العصبة عن قلقها إزاء التسجيلات المصورة المتداولة على نطاق واسع، والتي توثق، بحسب البيان، لحظات يظهر فيها الضحية وهو يطلق نداءات استغاثة متكررة ويطلب المساعدة، بينما واصل عدد من أفراد الشرطة الإيطالية تقييده رغم ما بدا من تدهور واضح في حالته الصحية، قبل أن يفارق الحياة. واعتبرت أن هذه المشاهد، التي ينبغي إخضاعها للفحص القضائي ضمن مجريات التحقيق، تثير تساؤلات جدية بشأن مدى احترام مبادئ الضرورة والتناسب في استخدام القوة، ومدى التزام عناصر الأمن بواجب حماية الأشخاص الموجودين تحت سلطتهم وتقديم الإسعافات الطبية العاجلة عند الحاجة.
وربط البيان هذه الحادثة بوقائع سابقة شهدتها دول مختلفة، راح ضحيتها مهاجرون من أصول مغربية وإفريقية، معتبرا أن المشاهد المتداولة تعيد إلى الأذهان قضية جورج فلويد التي أثارت سنة 2020 موجة استنكار عالمية وأعادت النقاش حول العنف الشرطي والتمييز العنصري وآليات مساءلة أجهزة إنفاذ القانون.
وفي هذا السياق، طالبت العصبة السلطات الإيطالية بإجراء تحقيق مستقل ومحايد وشفاف ونشر نتائجه للرأي العام، مع حفظ جميع الأدلة، بما فيها التسجيلات المصورة، وإجراء خبرة طبية وقضائية مستقلة، والاستماع إلى الشهود، وتمكين أسرة الضحية ودفاعها من متابعة مجريات التحقيق وممارسة حقوقهم القانونية كاملة.
كما دعت السلطات المغربية، ممثلة في وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وسفارة المملكة المغربية بروما، إلى مواكبة الملف عن قرب واتخاذ المبادرات الدبلوماسية والقانونية الكفيلة بضمان كشف الحقيقة، وتوفير الحماية القنصلية والقانونية اللازمة لأسرة الفقيد، وصون حقوق المغاربة المقيمين بالخارج.
ولم يغفل البيان توجيه نداء إلى المؤسسات الوطنية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، بما فيها الآليات الأممية المختصة، من أجل متابعة هذه القضية ورصد مدى التزام السلطات الإيطالية بتعهداتها الدولية في مجال حماية الحق في الحياة واحترام الضوابط القانونية المنظمة لاستخدام القوة.
واختتمت العصبة بيانها بالتأكيد على أن كرامة الإنسان والحق في الحياة يظلان التزاما قانونيا وأخلاقيا لا يتأثران بالجنسية أو وضعية الإقامة، معتبرة أن كل وفاة تقع أثناء تدخل أمني تستوجب تحقيقا مستقلا وجادا وفعالا يفضي إلى كشف الحقيقة كاملة، ومساءلة كل من يثبت تورطه في أي استخدام غير مشروع أو غير متناسب للقوة، أو في الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص كان في وضعية خطر، بما يكرس مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويضمن إنصاف الضحية وذويه.
المحرر
ليست كل الوفيات التي تقع أثناء التدخلات الأمنية مجرد حوادث عابرة يمكن أن تطويها الأيام أو تختزلها بيانات مقتضبة. فحين يفقد إنسان حياته وهو تحت سيطرة أجهزة يفترض أنها وجدت لحماية الأرواح، يصبح السؤال عن الحقيقة واجباً قانونياً وأخلاقياً قبل أن يكون مطلباً حقوقياً. وما وقع بمدينة بولونيا الإيطالية، حيث توفي مهاجر مغربي يبلغ من العمر 43 سنة خلال تدخل أمني، يعيد إلى الواجهة نقاشاً لم يخفت صداه في أوروبا والعالم حول حدود استخدام القوة، ومسؤولية أجهزة إنفاذ القانون، وحق الضحايا في العدالة.
فإلى حدود الساعة، ما تزال ملابسات الوفاة محاطة بكثير من الغموض، في غياب نتائج رسمية للتحقيق أو رواية مؤسساتية قادرة على تبديد الشكوك التي أثارتها التسجيلات المصورة المتداولة. وهي صور لم تكن مجرد لقطات عابرة، بل وثائق بصرية أظهرت رجلاً يستغيث ويطلب النجدة بينما ظل مقيداً في وضعية أثارت استياء واسعاً، قبل أن يفارق الحياة. ومهما تكن خلاصات التحقيق المرتقب، فإن هذه المشاهد تفرض أسئلة ثقيلة حول مدى احترام مبادئ الضرورة والتناسب في استخدام القوة، وحول الواجب القانوني الملقى على عاتق رجال الأمن في حماية حياة كل شخص يوجد تحت سلطتهم، لا تعريضها للخطر.
في هذا السياق، جاء بيان العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ليؤكد أن القضية لا ينبغي أن تختزل في خبر جنائي أو حادث فردي، بل يجب أن تعامل باعتبارها اختباراً حقيقياً لالتزام الدولة الإيطالية بالمواثيق الدولية التي تكفل الحق في الحياة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تلزم بإجراء تحقيقات مستقلة وسريعة وفعالة في كل وفاة تقع أثناء تدخل أمني.









