بدأت ملامح سياسة العقوبات التي لوّح بها عدد من الوزراء في حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضد الجزائر تتجسد على أرض الواقع، مع اتخاذ أولى الخطوات الملموسة بتجميد مشروع استثماري فرنسي كان من المقرر إطلاقه في الجزائر.
وأكد مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، في بيان رسمي، إلغاء زيارة مرتقبة لمدير شركة فرنسية للنقل البحري، كان يُنتظر أن يباشر مفاوضات حول استثمارات في عدد من الموانئ الجزائرية، وهو ما يُعد مؤشراً على دخول العلاقات الاقتصادية بين البلدين مرحلة الشلل، على خلفية توتر سياسي متصاعد.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام جزائرية قريبة من السلطة، فإن المستثمر المعني هو رجل الأعمال الفرنسي اللبناني رودولف سعادة، أحد أبرز الوجوه الاقتصادية المقربة من قصر الإليزيه، والذي تراجع عن إطلاق مشروعه في الجزائر بناءً على توجيهات من أعلى مستوى في هرم السلطة الفرنسية.
وأكدت نفس المصادر أن الرئيس ماكرون تدخل شخصياً لتجميد أي تحركات اقتصادية أو استثمارية مع الجزائر في الوقت الراهن، في ظل ما وصفته باريس بـ”تدهور مناخ التعاون السياسي والدبلوماسي”، على إثر خطوات جزائرية اعتبرتها فرنسا معادية.
في هذا السياق، كشف ميشال بيساك، رئيس غرفة التجارة الجزائرية الفرنسية، أن زيارة سعادة كانت مبرمجة لإعطاء الانطلاقة لمشاريع كبرى في عدد من الموانئ الجزائرية، إلا أن الزيارة أُلغيت عشية موعدها الرسمي، وهو ما يعكس حساسية الظرف السياسي الذي تمر به العلاقات الثنائية.
هذا التصعيد يأتي بعد أيام قليلة من قرار باريس طرد 12 موظفًا قنصليًا جزائريًا، في خطوة وُصفت بالرد “المماثل” على إجراء مماثل سبق أن اتخذته الجزائر. كما استدعت الخارجية الفرنسية سفيرها لدى الجزائر ستيفان روماتيه للتشاور، في مؤشر على بلوغ التوتر بين الجانبين مستويات غير مسبوقة.
وسط غياب أي بوادر انفراج، يتجه المشهد نحو مزيد من التصعيد، في وقت يتساءل فيه مراقبون عن مصير العلاقات التاريخية المعقدة بين الجزائر وفرنسا، وما إذا كانت ستنجح القنوات الخلفية أو الوساطات الإقليمية في إعادة المياه إلى مجاريها.
إن التصعيد الأخير لا يُعد حدثاً معزولاً، بل يُضاف إلى سلسلة من التوترات التي شابت العلاقة بين الجزائر وباريس خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد تصريحات ماكرون السابقة حول “الذاكرة الاستعمارية”، والتي أثارت حفيظة السلطات الجزائرية وأدت إلى تجميد عدة مبادرات ثنائية.
ويُخشى أن تتسبب هذه الأزمة الجديدة في عرقلة مشاريع استثمارية أخرى كانت قيد الإعداد بين البلدين، خاصة في قطاعات استراتيجية كالنقل والطاقة والبنية التحتية. فالمستثمرون الفرنسيون يشكلون نسبة معتبرة من الفاعلين الاقتصاديين في السوق الجزائرية، وقد يؤدي استمرار الأزمة إلى إعادة رسم خارطة الشراكات الدولية للجزائر بعيداً عن النفوذ الفرنسي التقليدي.
ورغم محاولات متفرقة لترميم العلاقات، من خلال زيارات رسمية متبادلة ومساعٍ لإعادة إطلاق الحوار الاستراتيجي، إلا أن الملفات العالقة، وفي مقدمتها ملف الذاكرة والهجرة والتأشيرات، تُواصل عرقلة أي تقدم فعلي في مسار التطبيع الكامل.
ويرى مراقبون أن الجزائر باتت أكثر ميلاً نحو تنويع شركائها الدوليين، مع تعزيز التعاون مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا وتركيا، ما قد يضع فرنسا أمام تحدي تراجع نفوذها التقليدي في المنطقة المغاربية.
في ظل غياب مؤشرات على التهدئة، تبقى جميع السيناريوهات واردة، بدءاً من مزيد من التصعيد الدبلوماسي، مروراً بإجراءات اقتصادية متبادلة، وصولاً إلى القطيعة المؤقتة أو إعادة ترتيب العلاقات على أسس جديدة وأكثر براغماتية.
لكن المؤكد أن العلاقات الجزائرية الفرنسية تدخل مرحلة مفصلية تتطلب رؤية سياسية شجاعة من الطرفين، بعيداً عن الحسابات الداخلية الضيقة، لإعادة بناء الثقة التي باتت مفقودة بين الجانبين.
/https://www.mamda-mcma.ma











