عندما تتحول الهجرة إلى ورقة ضغط سياسية
مرة أخرى، يكشف الاتحاد الأوروبي عن الوجه الحقيقي لعلاقته مع شركائه في الضفة الجنوبية للمتوسط. فبدل ترسيخ منطق الشراكة المتوازنة وتقاسم المسؤولية في تدبير ملف الهجرة، اختار مسؤولون أوروبيون العودة إلى لغة الضغط والابتزاز، ملوحين هذه المرة بسلاحي التأشيرات والتجارة لإجبار المغرب على القيام بالدور الذي تريده بروكسيل، وكأنه مجرد حارس لحدود أوروبا.
تصريحات مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة، ماغنوس برونر، التي دعا فيها إلى استخدام “جميع وسائل الضغط المتاحة” لضمان تعاون المغرب في ملف الهجرة، ليست مجرد موقف عابر، بل تعكس ذهنية سياسية ما زالت تنظر إلى دول الجنوب باعتبارها أدوات لتنفيذ السياسات الأوروبية، لا شركاء متساوين في الحقوق والواجبات. والأخطر من ذلك أنها تحاول تحميل المغرب مسؤولية أزمة صنعتها عوامل أوروبية داخلية، في مقدمتها الثغرات القانونية والقرارات القضائية التي استغلتها شبكات تهريب البشر لتشجيع آلاف المهاجرين على التوجه نحو سبتة.
المفارقة أن المسؤول الأوروبي نفسه أقر بأن شبكات التهريب وحملات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت وراء موجة العبور الأخيرة، كما أشاد بالتنسيق المغربي الإسباني في إعادة المهاجرين. فإذا كان المغرب يؤدي دوره الأمني ويحقق نتائج يعترف بها الأوروبيون أنفسهم، فما الذي يبرر التلويح بالعقوبات الاقتصادية والتضييق على المواطنين عبر ورقة التأشيرات؟
لقد أثبتت الأرقام أن المملكة لم تتعامل يوما مع ملف الهجرة بمنطق المقايضة، بل باعتباره تحديا أمنيا وإنسانيا وإقليميا. فخلال السنوات الأخيرة أحبطت السلطات المغربية مئات الآلاف من محاولات الهجرة غير النظامية، وفككت آلاف الشبكات الإجرامية، وسخرت آلاف العناصر الأمنية لحماية سواحلها، وهي جهود كلفت المملكة موارد مالية وبشرية ضخمة، في وقت تدرك فيه أوروبا أن استقرار حدودها الجنوبية يرتبط بشكل وثيق باستقرار المغرب وتعاونه.
لكن بدل الاعتراف بهذه التضحيات، يعود بعض المسؤولين الأوروبيين إلى خطاب يختزل العلاقة مع الرباط في معادلة بسيطة: إما تنفيذ ما تريده بروكسيل، أو مواجهة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية. وهي مقاربة لا تنسجم مع طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي طالما تحدث عنها الطرفان، كما أنها تتجاهل حقيقة أكدها المغرب مرارا على أعلى المستويات، ومفادها أن المملكة ليست “دركي أوروبا” ولا حارس بوابتها، وإنما شريك مسؤول يتعاون وفق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
إن محاولة استخدام التأشيرات والتبادل التجاري كورقة ضغط تحمل في طياتها رسالة سياسية سلبية، لأنها تنقل النقاش من التعاون إلى الابتزاز، ومن الشراكة إلى الإملاءات. كما أنها قد تضعف الثقة بين الجانبين في وقت تحتاج فيه أوروبا أكثر من أي وقت مضى إلى تعاون حقيقي مع المغرب لمواجهة تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
ما يحتاجه الاتحاد الأوروبي اليوم ليس توسيع دائرة الضغوط، بل مراجعة مقاربته لملف الهجرة من جذورها. فالمشكل لا يبدأ عند السواحل المغربية، بل في غياب مسارات قانونية للهجرة، وفي استمرار الفوارق التنموية، وفي استغلال شبكات الاتجار بالبشر لليأس الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. أما تحويل المغرب إلى شماعة تعلق عليها أوروبا إخفاقاتها الداخلية، فلن يقدم حلا للأزمة، بل سيزيدها تعقيدا.
لقد أثبتت التجارب أن سياسة العصا لا تصنع شراكات مستدامة. وإذا كانت بروكسيل ترغب فعلا في بناء علاقة قوية مع الرباط، فإن عليها أن تتعامل مع المغرب باعتباره قوة إقليمية وشريكا استراتيجيا، لا مجرد حاجز أمني يحمي القارة الأوروبية. فالمصالح المشتركة لا تُدار بالتهديد، وإنما بالاحترام المتبادل وتقاسم المسؤوليات، وهي الحقيقة التي يبدو أن بعض المسؤولين الأوروبيين ما زالوا عاجزين عن استيعابها.








