في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات التعليمية تستعد لفتح أبوابها أمام ملايين التلاميذ، اختارت وزارة التربية الوطنية أن تضع ملفاً تربوياً جديداً فوق طاولة الدخول المدرسي، وكأن المدرسة المغربية لم تعد تحتمل مزيداً من التجارب إلا في اللحظات الأخيرة. فمذكرة «الأستاذ المرجعي»، الصادرة في 3 شتنبر 2026، لم تصل إلى الميدان في ظرف عادي، بل جاءت على بعد أسابيع قليلة من استحقاقات 23 شتنبر، وفي مرحلة سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها مغادرة المسؤولين الحاليين للقطاع وإعادة ترتيب أولوياته من جديد. وبينما تتحدث الوزارة عن مواكبة بيداغوجية وتعزيز مؤسسات الريادة، يرى منتقدون أن الأمر يتعلق بقرار جديد يضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات والمسميات التي دخلت المدرسة المغربية دون أن تحصل دائماً على الوقت الكافي للتقييم والمراجعة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام إصلاح تربوي مدروس، أم أمام سباق مع الزمن لترك بصمة إدارية قبل أن تتغير موازين السلطة الحكومية؟
وتزداد حدة التساؤلات عندما توضع المذكرة أمام واقع المؤسسات التعليمية نفسها؛ أقسام يفترض ألا تتجاوز 30 تلميذاً، بينما تشير إفادات ميدانية إلى تجاوز العدد 46 تلميذاً في بعض المؤسسات، وخصاص في مدرسين لمواد أساسية، في مقدمتها الرياضيات واللغة الفرنسية والعلوم الطبيعية. وبينما لم تُحسم بعد اختلالات الموارد البشرية والاكتظاظ، يجري تحميل أساتذة مختارين مهام جديدة تتعلق بالمواكبة والتكوين والتأطير وتتبع الممارسات البيداغوجية. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: كيف يمكن بناء مدرسة الريادة بأستاذ مرجعي جديد إذا كانت الأقسام نفسها تعاني من أزمة في عدد الأساتذة؟
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في اسم «الأستاذ المرجعي» بحد ذاته، ولا في فكرة تعزيز المواكبة البيداغوجية، بل في الطريقة التي تُدار بها الإصلاحات التعليمية ومواعيد إطلاقها وشروط تنزيلها. فالمدرسة المغربية ليست مختبراً مفتوحاً للتجارب المتعاقبة، والمدرس ليس رقماً يمكن إعادة توزيع مهامه كلما ظهرت مبادرة جديدة. وإذا كانت الحكومة تعتبر إصلاح التعليم ورشاً استراتيجياً، فإن هذا الورش يحتاج إلى الاستقرار والوضوح والتقييم والمحاسبة، لا إلى قرارات متأخرة قد تصبح رهينة بتغير المسؤولين والسياسات.
والأكثر إثارة للقلق أن قراراً بهذا الحجم صدر في نهاية مرحلة حكومية، قبل أيام قليلة من انتخابات قد تفرز أغلبية جديدة وحكومة جديدة ووزيراً جديداً للتربية الوطنية، وربما رؤية مختلفة تماماً لتدبير القطاع. فهل ستستمر تجربة «الأستاذ المرجعي» إذا تغيرت القيادة السياسية؟ وهل ستحتفظ الوزارة المقبلة بالمذكرة نفسها أم ستضعها ضمن أرشيف التجارب التي لم تعش طويلاً؟ هنا تحديداً تظهر مسؤولية السياسة قبل الإدارة: الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بعمر وزير أو ولاية حكومة، كما أن المدرسة العمومية لا يجوز أن تتحول إلى ساحة لتسجيل النقاط السياسية والإدارية.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق «كل وزير وتجربته» إلى منطق الدولة وسياسة التعليم المستدامة؛ سياسة تُبنى على تقييم علمي للنتائج، وعلى الإنصات الحقيقي للأساتذة والمفتشين والمديرين، وعلى توفير الموارد قبل إصدار المذكرات. أما الاستمرار في إنتاج المناصب والمسميات والأدوار الجديدة، بينما يبقى الاكتظاظ والخصاص والتعثر الدراسي حاضراً في القسم، فلن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج الأزمة تحت عناوين أكثر حداثة.
فالمدرسة لا تحتاج إلى مزيد من المذكرات بقدر ما تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يضع مصلحة التلميذ والمدرس فوق الحسابات الظرفية، ويجعل إصلاح التعليم مشروع دولة لا مشروع ولاية حكومية عابرة.









