تحولت مدينة الدار البيضاء، صباح فاتح ماي 2026، إلى منصة تعبير جماعي عن هموم الشغيلة وتطلعاتها، حيث احتضنت الفعالية المركزية التي نظمها الاتحاد العام للشغالين بالمغرب تحت شعار يحمل دلالات قوية: “موحدون وصامدون من أجل مغرب صاعد ومنصف”. مناسبة لم تكن مجرد احتفال رمزي، بل محطة سياسية ونقابية جسدت تلاقي الإرادة بين الفعل النقابي والرؤية الحزبية.
في قلب هذا الحدث، برز حضور كل من الدكتور نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال ، رفقة الأخ ويوسف علاكوش الكاتب العام الجديد للاتحاد العام للشغالين بالمغرب ، في صورة تعكس استمرارية التنسيق بين حزب الاستقلال وذراعه النقابي. كما سجل هذا الموعد حضورًا وازنًا لعدد من القيادات في صورة تؤكد متانة الروابط بين الحزب والنقابة . كما عرفت التظاهرة مشاركة أعضاء من اللجنة التنفيذية للحزب، وبرلمانيين ومنتخبين ومفتشين جهويين، إلى جانب قيادات نقابية جهوية وإقليمية، وحضور كثيف لعمال وعاملات قدموا من مختلف مناطق جهة الدار البيضاء–سطات.

وقد عكست المداخلتين للدكتور نزار بركة والأخ يوسف علاكوش توجهاً نحو بعث نفس جديد داخل الاتحاد، يقوم على استثمار رصيده التاريخي في الدفاع عن قضايا الطبقة العاملة، مع السعي إلى مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
في كلمته، هنأ الدكتور نزار بركة الأخ يوسف علاكوش على انتخابه كاتبًا عامًا للاتحاد، معتبرًا أن المرحلة تتطلب دينامية نضالية متجددة. كما استحضر الدور التاريخي للاتحاد في صون حقوق الشغيلة، مؤكدًا تضامن الحزب مع مختلف المركزيات النقابية بمناسبة عيدها الأممي، ومبرزًا أن العدالة الاجتماعية تشكل أحد أعمدة الاستقرار. وشدد على التزام الحزب بدعم القدرة الشرائية، مستعرضًا إجراءات من بينها الرفع من الأجور بنسبة 20%، وتوسيع الإعفاء الضريبي ليشمل الأجراء ذوي الدخل حتى 6000 درهم، إضافة إلى الدفاع عن حقوق المتقاعدين.
كما أكد بركة أن تحسين أوضاع العمال يظل خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد تدبير ظرفي، مشيرًا إلى التحديات المرتبطة بغلاء المعيشة نتيجة الأزمات الدولية. وفي هذا السياق، استعرض عدداً من التدابير الحكومية، من بينها إقرار التقاعد النسبي في القطاع الخاص، وإصلاح الضريبة على الدخل، والرفع من الحد الأدنى للأجور، إلى جانب دعم المواد الأساسية والطاقة للحفاظ على التوازن الاجتماعي.
وتطرق أيضًا إلى قضايا قطاعية، خاصة مراجعة مدونة الشغل، بما في ذلك تقليص ساعات العمل لفائدة أعوان الحراسة، في خطوة وُصفت بكونها تصحيحًا لوضعية فئة ظلت مهمشة. كما تم التأكيد على أهمية التكوين المستمر داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة كرافعة لتحسين الإنتاجية وظروف العمل.
وعلى مستوى الآفاق، برزت دعوات لمواصلة الإصلاحات، خصوصًا المرتبطة بالأنظمة الأساسية لمختلف الفئات المهنية، مع التأكيد على أولوية التصدي لارتفاع تكاليف المعيشة.

من جهته، اعتبر الأخ يوسف علاكوش أن العلاقة بين حزب الاستقلال والاتحاد العام للشغالين تتسم بتطابق كبير في الرؤية، واصفًا إياها بـ”مسافة الصفر”. وأوضح أن تخليد فاتح ماي هذه السنة تزامن مع المؤتمر الوطني الاستثنائي للنقابة، ما أضفى عليه طابعًا خاصًا باعتباره محطة تقييم واستشراف.
وأكد علاكوش أن المناسبة لم تعد مجرد احتفال رمزي، بل أصبحت لحظة لمراجعة الأوضاع الاجتماعية ورصد التحديات، داعيًا الحكومة إلى تنفيذ الالتزامات المنبثقة عن اتفاقي 2022 و2024، مع التركيز على حماية القدرة الشرائية. كما شدد على ضرورة التصدي للمضاربات والاحتكار، التي تؤثر بشكل مباشر على أسعار المواد الأساسية.
وجدد التأكيد على انخراط الطبقة العاملة في إنجاح الأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة، مع التشبث بثوابت الأمة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، معتبرًا أن شعار “الله، الوطن، الملك” يظل مرجعية نضالية.

وفي تقييمه للوضع الراهن، أقر علاكوش بأن المكتسبات المحققة لم ترقَ بعد إلى مستوى انتظارات الشغيلة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، منتقدًا تفاقم المضاربات وجشع بعض الفاعلين، ومطالبًا بتدخل أكثر صرامة لضبط الأسواق.
كما سلط الضوء على عدد من الملفات الملحة، من بينها الفوارق في الأجور داخل القطاع الفلاحي، وتعزيز شروط الصحة والسلامة المهنية، وضمان الحريات النقابية، وإنصاف فئات من مستخدمي المؤسسات العمومية، والخصوصية بما يعزز الاستقرار الاجتماعي.
وهكذا، عكس احتفال فاتح ماي لهذه السنة دينامية متجددة في التعاطي مع قضايا الشغيلة، حيث تلاقت الرؤية السياسية بالمطالب النقابي،ة في أفق مواصلة معركة تحقيق العدالة الاجتماعية، باعتبارها رهانًا حاسمًا لبناء مغرب أكثر توازنًا وإنصافًا.









