لا تزال مأساة “الزيوت المسمومة” التي هزّت المغرب سنة 1959 جرحاً مفتوحاً في ذاكرة آلاف الأسر المغربية، رغم مرور أكثر من ستة عقود على واحدة من أبشع الكوارث الصحية والاجتماعية في تاريخ البلاد. فالجريمة التي نتجت عن توزيع زيوت غذائية مغشوشة وسامة، خلفت مآسي إنسانية لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم، بعدما حوّلت حياة آلاف الأطفال والأسر إلى معاناة دائمة، بسبب إعاقات جسدية ونفسية مزمنة حرمت الضحايا من أبسط حقوقهم في العيش الكريم.
ورغم أن الزمن مضى، فإن الضحايا لم يغادروا دائرة الألم، إذ يعيش كثير منهم اليوم أوضاعاً اجتماعية وصحية قاسية، في ظل شعور متزايد بالإقصاء والتهميش، بعدما ظل ملفهم يراوح مكانه لعقود طويلة، دون تسوية شاملة تنصفهم وتعترف بحجم الضرر الذي لحقهم.
ويعتبر متابعون لهذا الملف أن المأساة لم تعد فقط مرتبطة بالجريمة الأصلية، بل أيضاً بطريقة التعامل مع الضحايا، الذين يؤكدون أنهم يواجهون منذ سنوات سياسة تسويف ومماطلة، رغم التعليمات الملكية والاتفاقات واللجان التي أُحدثت من أجل معالجة هذا الملف الإنساني والاجتماعي المعقد.
وفي سياق تصاعد غضب الضحايا وعائلاتهم، أعلنت الجمعية الوطنية لضحايا الزيوت المسمومة بالمغرب عن تنظيم وقفة احتجاجية يوم الخميس 7 ماي بمكناس، تحت شعار:
“نطالب بجبر الضرر الشامل للضحايا منذ 1959″ تليها وقفات أخرى بمدينة الرباط في الأيام المقبلة .
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية، وفق معطيات الجمعية، بسبب استمرار ما وصفته بإقصاء عدد كبير من الضحايا من التسوية الأخيرة، إلى جانب منح تعويضات اعتبرتها “هزيلة وغير منصفة”، خاصة أنها لم تشمل الأثر الرجعي، رغم أن الإعاقة والمعاناة امتدت لعشرات السنين.
كما أثار الضحايا مسألة استبعاد المتوفين وذوي حقوقهم من التعويضات، معتبرين أن ذلك يتنافى مع مبادئ العدالة والإنصاف، ومع ما تنص عليه المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الضحايا وجبر الضرر.
مطالب يعتبرها الضحايا “عادلة ومشروعة”
ويطالب ضحايا الزيوت المسمومة بجملة من الإجراءات التي يرون أنها كفيلة بإنهاء عقود من المعاناة، وفي مقدمتها تعويض شامل وعادل بأثر رجعي انطلاقاً من اتفاقية 15 أبريل 2010، إلى جانب تمكين ذوي الحقوق من الاستفادة إلى حدود تاريخ وفاة الضحية.
كما يطالب المحتجون بإدماج جميع الضحايا الذين تم إحصاؤهم منذ سنة 2018، والبالغ عددهم 294 ضحية، وفق معطيات وردت في جواب سابق لوزير الاقتصاد والمالية الأسبق محمد بنشعبون على سؤال برلماني تقدمت به النائبة البرلمانية عبلة بوزكري بتاريخ 23 نونبر 2019.
ومن بين المطالب أيضاً، تمكين الضحايا من الاستفادة من عائدات “التنبر” المحدث بظهير شريف منذ سنة 1960، والرفع من قيمة الإعانات المالية بما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، إضافة إلى الولوج إلى المبلغ المالي المودع بمؤسسة الحسن الثاني والمخصص لضحايا الزيوت المسمومة.
ويرى حقوقيون وفاعلون جمعويون أن ملف الزيوت المسمومة يظل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بمبادئ العدالة الاجتماعية والإنصاف وجبر الضرر، خصوصاً أن الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب تنص على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في الصحة والكرامة والعيش الكريم.
كما يؤكد متابعون أن هذه القضية ليست مجرد حادثة من الماضي، بل مأساة إنسانية مستمرة، لأن آثارها ما زالت حاضرة في أجساد الضحايا وحياتهم اليومية، وفي ذاكرة عائلاتهم التي تطالب منذ عقود باعتراف كامل بحجم الكارثة وإنصاف المتضررين.
وبين مطالب الضحايا وصمت الجهات المعنية، يبقى ملف الزيوت المسمومة واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية والحقوقية إيلاماً في المغرب الحديث، فيما يردد الضحايا وعائلاتهم أن “العدالة المتأخرة ليست سوى شكل آخر من أشكال الظلم”، وأن جبر الضرر لم يعد مطلباً اجتماعياً فقط، بل واجباً أخلاقياً وتاريخياً لا يحتمل المزيد من التأجيل.
وراء الأرقام والبلاغات الرسمية، تختبئ قصص إنسانية مؤلمة لضحايا عاشوا طفولتهم بين الألم والعجز، وكبروا وهم يحملون إعاقات دائمة حرمت كثيرين منهم من الدراسة والعمل والاستقرار الاجتماعي. بعضهم فقد القدرة على الحركة، وآخرون عاشوا بعاهات مزمنة أثرت على حياتهم النفسية والجسدية، بينما رحل كثير من الضحايا إلى قبورهم دون أن ينالوا أي إنصاف حقيقي.
ويؤكد عدد من الضحايا أن المعاناة لم تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل امتدت إلى التهميش الاجتماعي والفقر والعزلة، في ظل غياب مواكبة حقيقية تضمن لهم العلاج والرعاية والدعم النفسي والاجتماعي. فالكثير منهم يعيش اليوم بأوضاع هشة، يعتمدون على مساعدات محدودة لا ترقى إلى حجم الضرر الذي لحقهم منذ الطفولة.
كما يرى متابعون أن استمرار هذا الملف لعقود طويلة دون حل جذري، يعكس اختلالاً في تدبير قضايا العدالة الاجتماعية وجبر الضرر، خاصة أن الضحايا لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحقوق يعتبرونها مشروعة تكفلها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
ويعتبر حقوقيون أن الدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه هذه الفئة، من خلال فتح الملف بشكل جدي وشامل، بعيداً عن الحلول الجزئية أو المقاربات الإدارية الضيقة.
كما يدعو فاعلون جمعويون إلى اعتماد مقاربة إنسانية قائمة على الإنصاف الحقيقي، تشمل التعويض العادل، والتغطية الصحية الكاملة، والمواكبة الاجتماعية، ورد الاعتبار الرمزي والمعنوي للضحايا وعائلاتهم، باعتبارهم جزءاً من ذاكرة جماعية مؤلمة لا يجوز تجاهلها أو طيها بالنسيان.
ويرى هؤلاء أن جبر الضرر لا يرتبط فقط بالتعويض المالي، بل أيضاً بالاعتراف الرسمي بحجم المأساة، وضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث مستقبلاً، عبر تعزيز آليات المراقبة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ذاكرة لا تموت
ورغم مرور أكثر من ستين سنة على الكارثة، لا يزال ضحايا الزيوت المسمومة يصرون على مواصلة نضالهم من أجل انتزاع حقوقهم، مؤكدين أن الزمن لا يمكن أن يمحو الألم أو يسقط حقهم في الإنصاف.
ففي كل وقفة احتجاجية، وفي كل بيان أو صرخة، يعود هذا الملف إلى الواجهة ليذكر المغاربة بواحدة من أكثر الصفحات سواداً في تاريخ البلاد، وبأن العدالة الحقيقية لا تسقط بالتقادم.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى سيظل ضحايا الزيوت المسمومة ينتظرون إنصافاً طال أكثر مما ينبغي؟ وهل تتحول هذه المأساة يوماً إلى درس وطني في العدالة والكرامة، بدل أن تبقى وصمة عار عالقة في ذاكرة الدولة والمجتمع؟











