قراءة نقدية في الذاكرة والتأويل
الدكتور الجامعي أبو الشتاء
أضحى الاحتفال بالسنة الأمازيغية (إيض ن يناير) مناسبة ثقافية بارزة في بلدان شمال إفريقيا، غير أن هذا الحضور المتنامي رافقته قراءات متباينة، تتراوح بين التوصيف التاريخي الرصين والتأويل الإيديولوجي المفرط. يسعى هذا المقال إلى تفكيك الخطاب السائد حول السنة الأمازيغية، والتمييز بين ما هو ثابت تاريخيًا، وما هو زعم رمزي حديث، مع التأكيد على القيمة الثقافية للمناسبة بعيدًا عن الأسطرة أو التسييس.
لم يعد الاحتفال بالسنة الأمازيغية مجرد طقس شعبي مرتبط بالأرض والفلاحة، بل تحوّل في العقود الأخيرة إلى موضوع نقاش ثقافي وهوياتي حاد. ففي الوقت الذي ينظر إليه البعض باعتباره شاهدًا على عمق التاريخ الأمازيغي واستمراريته، يذهب آخرون إلى اعتباره بناءً رمزيًا حديثًا أُلبس لبوس التاريخ. وبين هذين الموقفين، تبرز الحاجة إلى قراءة عقلانية نقدية، تفصل بين التاريخ بوصفه علمًا، والهوية بوصفها بناءً ثقافيًا متحركًا.
أولًا: السنة الأمازيغية كحقيقة تاريخية
تشير أغلب الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية إلى أن ما يُعرف بالسنة الأمازيغية هو في جوهره تقويم فلاحي، نشأ لتنظيم علاقة الإنسان بالأرض ودوراتها الموسمية. فقد ارتبط شهر يناير، أو إيض ن يناير، ببداية السنة الزراعية، وما يستتبعها من طقوس التفاؤل بالخصب والوفرة.
ويتقاطع هذا التقويم مع التقويم اليولياني الذي كان معتمدًا في المجال المتوسطي خلال العهد الروماني، وهو ما يفسر تطابق بداية السنة الأمازيغية مع 12 أو 13 يناير من التقويم الميلادي الحالي. هذا المعطى لا ينتقص من أصالة الممارسة الأمازيغية، بل يؤكد تفاعلها التاريخي مع محيطها الحضاري، في سياق التبادل لا القطيعة.
أما طقوس الاحتفال، من إعداد أطعمة جماعية وتقاسم الفواكه الجافة وربط المناسبة بالتفاؤل، فهي تعبيرات رمزية مشتركة بين مجتمعات زراعية عديدة، تُبرز مركزية الأرض في تشكيل الوعي الجمعي.
ثانيًا: من الحقيقة إلى الزعم – أين يبدأ التخييل؟
يبدأ الإشكال حين يتم الانتقال من التقويم الفلاحي إلى التأريخ السياسي الرمزي، كما في ربط السنة الأمازيغية باعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر حوالي سنة 950 قبل الميلاد، واعتماد هذا الحدث منطلقًا لتقويم أمازيغي يمتد لأكثر من 2970 سنة.
ورغم أهمية شيشنق التاريخية، فإن هذا الربط يفتقر إلى سند علمي صريح، إذ لا توجد دلائل تثبت أن الأمازيغ القدماء اعتمدوا هذا الحدث مرجعًا زمنيا. ويجمع عدد من الباحثين على أن هذا التأويل حديث النشأة، ظهر في سياق البحث عن رموز مؤسسة للهوية، لا في سياق التوثيق التاريخي.
كما أن تحميل السنة الأمازيغية حمولة سياسية صلبة، وتقديمها كبديل شامل للتقاويم الأخرى، يُدخلها في منطق الصراع الإيديولوجي، ويحوّلها من ممارسة ثقافية جامعة إلى أداة استقطاب وانقسام.
ثالثًا: بين الذاكرة والهوية – نحو فهم متوازن
لا تكمن قيمة السنة الأمازيغية في عدد السنوات التي تُضاف إلى التاريخ، بل في استمراريتها الشعبية وقدرتها على تمثيل علاقة الإنسان بالأرض والزمن. فالهوية الثقافية لا تُبنى على الوقائع التاريخية وحدها، بل على المعاني التي تُنتجها الجماعة في حاضرها.
ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بالسنة الأمازيغية لا يقتضي أسطرتها، كما أن نقد بعض تأويلاتها لا يعني نفي مشروعيتها الثقافية. بل إن النضج الثقافي يمر عبر الاحتفاء بالموروث كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
تُعد السنة الأمازيغية حقيقة ثقافية راسخة، لا باعتبارها تقويمًا سياسيًا مؤسسًا لدولة أو إمبراطورية، بل بوصفها تعبيرًا عن ذاكرة جماعية زراعية ضاربة في عمق التاريخ. أما تحويلها إلى سردية تاريخية مغلقة، قائمة على زعم غير موثق، فيُضعف قيمتها الرمزية بدل أن يعززها.
إن الفصل بين التاريخ بوصفه معرفة، والهوية بوصفها بناءً ثقافيًا، يظل شرطًا أساسيًا لحماية الذاكرة الأمازيغية من التوظيف الإيديولوجي، وجعل الاحتفاء بها فعل وعي لا فعل أسطرة.









