من دفاتر الماضي : هاشــم الخياطــي
في عالمٍ باتت العلاقات فيه هشّة، والقلوب مثقلة بتجارب متقلبة، يظلّ الغدر أكثر الأسلحة التي تصيب الروح عمقاً، لأنه يأتي بلا مقدّمات، وبلا ضجيج، وبلا حتى فرصة للدفاع. إنه طعنة ناعمة، لكنها قادرة على إسقاط أثخن قلاع الثقة، وترك فراغٍ يصعب ملؤه من جديد.
الغدر لا يصل فجأة، بل يتسلل بخطوات خفيفة، كظلّ يزحف تحت ضوء خافت. يقترب منّا متنكرًا في ثوب الودّ، في هيئة صديق، أو حبيب، أو رفيق درب. يبتسم ليطمئن قلوبنا، ثم يختار لحظة انكسارٍ خفية ليغرس خيانته. وما يجعل أثره مضاعفًا ليس فعل الغدر ذاته، بل أن مصدره كان الأقرب إلى القلب.
الثقة، التي تُبنى ببطءٍ شديد، تتهاوى أمام الغدر في ثانية واحدة. هذا الانهيار الخاطف يشبه سقوط جدارٍ عالٍ بلمسة ريح خفيفة، ويترك خلفه ركاما من الأسئلة:
لماذا؟ كيف؟ ومتى تغيّر من ظنناه سندًا؟ لكن لا جواب يعيد ما انكسر، فالغدر حين يقع لا يُصلَح، كما أن الورقة إذا تَمزّقت لا تعود كما كانت مهما أُعيد لصقها.
ورغم قسوته، يعلّمنا الغدر دروسًا لا تتعلمها القلوب السليمة. إنه يوقظ فينا ذكاء المشاعر، ويجبرنا على إعادة صياغة دوائر الثقة، وعلى فهم أن حسن النية لا يعني السذاجة، وأن الطيبة تحتاج أحيانًا إلى بوابة حراسة. فالحياة ليست مسرحًا مفتوحًا لكل من يمرّ، والقلوب ليست ملكًا لمن لا يعرف قيمتها.
لكن الأهم أن الغدر لا يجب أن يحوّلنا إلى نسخٍ أكثر قسوة من أنفسنا. لا يجب أن نسمح له بأن يقتل فينا القدرة على الحب أو يمنعنا من بناء علاقات جديدة. فليس كل الرحيل غدرًا، وليس كل الاختلاف خيانة. إنما الغدر هو فعلٌ متعمّد، محسوب، يصيب القلب وهو يعلم ما يفعل.
وفي النهاية، سيظل الغدر سلاحًا صامتًا، لكنه لا يقتل إلا من أعطيناه أكثر مما يستحق. أما نحن، فكل جرحٍ نتجاوزه يزيد صلابتنا، وكل خذلانٍ ننهض بعده يعلّمنا أن الثقة كنزٌ لا يُمنَح إلا لمن يحسن حفظه.
فالغدر يترك أثره، نعم… لكنه لا يملك أن يطفئ نورًا في قلبٍ يعرف قيمته، ويعرف متى يعطي، ولمن يعطي.








