من فاس، نقاش أكاديمي حول مستقبل المساءلة المالية وتطوير آليات الرقابة على تدبير المال العام
المراسلة
احتضنت كلية القانون والاقتصاد التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، الدرس الافتتاحي الذي ألقاه الدكتور إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، حول التحولات الراهنة التي يعرفها نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القضاء المالي، في سياق النقاش المتواصل بشأن تطوير منظومة الرقابة على المالية العمومية وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وشكّل هذا اللقاء العلمي مناسبة لاستحضار المسار التاريخي لتطور المسؤولية أمام المحاكم المالية بالمغرب، واستعراض أبرز التحولات التي عرفها هذا النظام، إلى جانب مناقشة علاقته بمختلف أنظمة المسؤولية القانونية الأخرى التي يخضع لها المدبرون العموميون، وما تطرحه هذه العلاقة من إشكالات تتعلق بتداخل الاختصاصات وتكامل آليات المساءلة.
وفي مداخلته، توقّف الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات عند التحديات التي تطرحها المستجدات القانونية المرتبطة بتدبير المالية العمومية، وما تفرضه من ضرورة تحديث آليات الرقابة والمساءلة وتكييفها مع التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المال العام واحترام القواعد القانونية المؤطرة للمسؤولية.
ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المحاكم المالية في مراقبة تدبير الموارد العمومية، وتقييم مدى احترام القواعد المنظمة لها، بما يجعل تطوير منظومة المسؤولية مدخلاً أساسياً لتعزيز فعالية الرقابة وترسيخ ثقافة التدبير القائم على الشفافية والنجاعة والمحاسبة.
كما أتاح الدرس الافتتاحي فرصة لبحث طبيعة العلاقة بين المسؤولية أمام القضاء المالي وباقي أشكال المسؤولية التي قد يخضع لها المدبرون العموميون، في ضوء تعدد القواعد القانونية المؤطرة لتدبير الشأن العام واختلاف مجالات تدخل المؤسسات المختصة.
ويطرح هذا الموضوع أهمية توضيح الحدود الفاصلة بين مختلف أنظمة المسؤولية، وتحديد مجالات التقاطع والتكامل بينها، بما يعزز الأمن القانوني ويحافظ على فعالية آليات المحاسبة، دون الإخلال بالضمانات التي يكفلها القانون للأشخاص المعنيين.
ولم يقتصر النقاش على الجوانب المؤسساتية والقانونية، بل امتد إلى إبراز أهمية البحث العلمي في مواكبة التحولات التي تعرفها منظومة الرقابة على المالية العمومية، من خلال دراسة النصوص القانونية وتحليل الإشكالات العملية التي تفرزها الممارسة، واقتراح مقاربات من شأنها الإسهام في تطوير التشريعات والارتقاء بجودتها.
وفي هذا الإطار، تبرز الجامعة باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة القانونية وتقييم السياسات والتشريعات، فيما تتيح مثل هذه اللقاءات فرصة لتبادل الرؤى بين الممارسين والباحثين، وربط النقاش النظري بالتحديات الفعلية التي تواجه تدبير المال العام.
وشكّل اللقاء أيضاً مناسبة للتأكيد على أهمية انفتاح المؤسسات الرقابية على المحيط الأكاديمي، وتوطيد التعاون بين المحاكم المالية والجامعات، بما يسمح بتبادل الخبرات والمعارف ومواكبة الأوراش القانونية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب.
ويعكس تنظيم هذا الدرس الافتتاحي أهمية الحوار بين الممارسة القضائية والبحث الجامعي في مواكبة تطور منظومة المسؤولية أمام القضاء المالي، بما يعزز فرص تطوير آليات الرقابة على المال العام وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويظل الرهان الأساسي في هذا المجال هو إرساء منظومة متكاملة للمساءلة المالية، تجمع بين فعالية الرقابة واحترام القانون، وتساهم في تحسين جودة التدبير العمومي وتعزيز الثقة في المؤسسات المكلفة بحماية المال العام.









