هاشــم الخياطــي
عاد الجدل حول أصول الطبق التقليدي “الكسكس” إلى واجهة النقاشات الساخنة في المنطقة المغاربية، بعدما أدلى وزير الاتصال الجزائري، محمد مزيان، بتصريحات مثيرة داخل قبة البرلمان الجزائري، زعم فيها أن “الكسكس طبق جزائري أصيل ولا علاقة له بأي ثقافة أخرى”، في إشارة ضمنية واضحة إلى المغرب وتونس، وهو ما أثار موجة من الاستنكار والسخرية على مواقع الميديا الاجتماعية، وفتح من جديد باب الصراع الثقافي بين بلدان المغرب الكبير، ليس من ورائها أي طائل.
التصريحات التي وردت خلال جلسة مناقشة ميزانية قطاع الاتصال بالبرلمان الجزائري، لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل جاءت بأسلوب حاد حمل نَفَسًا إقصائيًا، ما اعتبره مراقبون خطوة جديدة في مسلسل appropriations” المتكررة من طرف الجارة الشرقية، التي سبق لها أن أثارت الجدل حول موسيقى “الراي” والقفطان المغربي وزيت أرغان المغربية ، وحتى فنون الطبخ التقليدية المغربية الأصيلة التي يجهل طهيها نساء الجزائر وتونس.
وفي مقابل هذه الادعاءات، أعادت جهات ثقافية ومؤرخون مغاربة التذكير بأن طبق الكسكس موروث مغربي أصبح مشتركا بين شعوب شمال إفريقيا، بجذور تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، توارثته المجتمعات الأمازيغية بمختلف تسمياته وطرقه، واعتبرته رمزا من رموز الهوية المغربية، قبل أن يتم تسجيله في قائمة التراث اللامادي للبشرية لدى “اليونسكو” سنة 2020، باعتباره طبقًا مغربيا ، وهو ما يعكس طابعه العابر للحدود إلى الدول المغاربية.

الردود على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتأخر، حيث عجّت المنصات بتعليقات ساخرة، بعضها قال إن “الكسكس ليس سببا للحروب”، بينما كتب آخرون أن “من يجهل الجغرافيا والتاريخ يسهل عليه إنكار الواضحات”، فيما تساءل البعض عن فائدة هذا النوع من التصريحات في وقت تعيش فيه المنطقة أزمات معيشية واقتصادية حادة.
ويرى متابعون أن تكرار مثل هذه التصريحات الرسمية يعكس إصرارًا لدى بعض المسؤولين في الجزائر على الدخول في مواجهات عبثية حول قضايا رمزية وثقافية ، بدل التركيز على بناء جسور التعاون والتكامل بين الشعوب المغاربية، التي تجمعها لغة وتاريخ ومطبخ مشترك، أكثر مما تفرقها النزاعات السياسوية والمزايدات القومية.
يبقى الكسكس طبقًا مغربيا محبوبا من طرف شعوب المنطقة جميعها، ويشكل رمزا للضيافة والمشاركة العائلية بجميع مناطق المملكة الشريفة ، لكن كلما استُخدم لأغراض سياسية ضيقة من طرف الجارة الشرقية ، إلا محاولة منها لفقده شيئًا من نكهته الأصيلة العابرة للقارات.









