لم يعد النقاش حول التغيرات المناخية في المغرب مجرد مسألة بيئية صرفة، بل تحول إلى معركة وجودية تمس صميم الأمن المائي والطاقي للبلاد. وفي هذا السياق، يطل مشروع الألواح الشمسية العائمة فوق خزان سيدي اليماني قرب ميناء طنجة المتوسط، كأكثر من مجرد تجربة تقنية؛ إنه إعلان عن تحول في طريقة التفكير ورسم السياسات الاستراتيجية.
المغرب الذي فقد خلال أربعة عقود ثلاثة أرباع احتياطياته السطحية من المياه، اختار أن يواجه الأزمة عبر حلول مبتكرة لا تقف عند حدود التحلية أو نقل المياه فحسب، بل تمزج بين الطاقة والماء في معادلة واحدة. تغطية سطح الخزان بـ22 ألف لوح شمسي لا يعني فقط توليد 13 ميغاواط من الكهرباء النظيفة لتغذية واحد من أهم الموانئ المتوسطية، بل هو أيضاً استثمار في حماية “الذهب الأزرق” عبر تقليص معدلات التبخر بنسبة تصل إلى 30%.
الخطوة تحمل دلالة رمزية بقدر ما هي عملية: المغرب لا يريد أن يظل مستهلكاً للتجارب العالمية، بل أن يتحول إلى مختبر حي لإفريقيا، يقدم نموذجاً قابلاً للتكرار في بيئات تعاني بدورها من نفس التحديات. فاختيار التكنولوجيا العائمة، رغم كلفتها وتعقيدها، هو رسالة واضحة بأن البلاد تراهن على الريادة لا على الحلول الترقيعية.
الأبعاد الاستراتيجية تتجلى في أكثر من مستوى:
ــ طاقياً: المشروع يمنح ميناء طنجة المتوسط استقلالية كهربائية ويقلص بصمته الكربونية، بما يعزز تنافسيته كمركز لوجستي عالمي.
ــ مائياً: كل متر مكعب يتم تفادي تبخره هو مكسب حقيقي في سياق ندرة خانقة.
ــ دبلوماسياً: ريادة المغرب في هذا المجال تمنحه ورقة قوة إضافية في مفاوضاته الدولية حول المناخ، وتفتح له أبواب التمويلات الخضراء.
ولعل الأهم أن المشروع يعكس مقاربة تكاملية؛ فإلى جانب التقنية، هناك تفكير في إقامة حزام أخضر حول الخزان لمواجهة الرياح، وفي الموازاة، مواصلة برامج كبرى مثل تعميم محطات التحلية ومشروع “الطريق السيار المائي”. أي أن المغرب لا يراهن على حل واحد، بل على حزمة من الخيارات المترابطة.
في النهاية، قد لا يغير مشروع طنجة وحده معادلة الندرة المائية، لكنه يقدم درساً بليغاً: أن مواجهة الأزمات الكبرى لا تتم عبر إدارة الندرة فقط، بل عبر تحويلها إلى فرصة للابتكار والتموقع الجيوستراتيجي. المغرب بهذا المسار لا يحمي موارده وحسب، بل يصوغ صورة جديدة عن نفسه: بلد يجرؤ على التجربة، ويطمح إلى أن يكون مرجعاً قارياً في زمن التحولات المناخية.








