آلية وطنية جديدة لمواجهة الظاهرة
هاشــم الخياطــي
رغم التراجع بأكثر من 80 في المائة منذ سنة 1999، لا يزال تشغيل الأطفال بالمغرب تحدياً اجتماعياً وحقوقياً يهدد حق آلاف القاصرين في التعليم والحماية والعيش الكريم.
لا تزال ظاهرة تشغيل الأطفال تفرض نفسها ضمن التحديات الاجتماعية التي تواجه المغرب، في ظل استمرار نحو 103 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة في مزاولة أنشطة اقتصادية، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط برسم سنة 2025.
وتعيد هذه الأرقام تسليط الضوء على واقع الطفولة التي تجد نفسها، في حالات متعددة، أمام مسؤوليات تتجاوز سنها وقدراتها، بين العمل المبكر ومتطلبات الدراسة، في سياق تتداخل فيه عوامل الفقر والهشاشة الاجتماعية وصعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ورغم التراجع المسجل في الظاهرة بأكثر من 80 في المائة منذ سنة 1999، فإن استمرارها يؤكد أن المكاسب المحققة لا تعني انتهاء المشكلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال ما زالوا محرومين من ظروف تتيح لهم النمو والتعلم والاستفادة من حقوقهم الأساسية.
وفي هذا السياق، أطلق المرصد الوطني لحقوق الطفل آلية وطنية جديدة تروم تعزيز الجهود الرامية إلى القضاء على تشغيل الأطفال، من خلال إرساء منظومة للتعرف على الحالات المعنية ورصدها، والعمل على سحب الأطفال من سوق العمل وإعادة إدماجهم في مسارات تضمن حمايتهم الاجتماعية والتربوية.
ولا يقتصر هذا التوجه على إخراج الأطفال من أماكن العمل، بل يمتد إلى معالجة الظروف التي تدفعهم إلى الاشتغال في سن مبكرة، عبر تقديم الدعم الاقتصادي لأسرهم، تفادياً لعودة الأطفال إلى العمل نتيجة استمرار الفقر أو غياب مصادر دخل كافية.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأهمية التعامل مع الظاهرة باعتبارها قضية اجتماعية مركبة، لا يمكن معالجتها بإجراءات المراقبة وحدها، ما لم تقترن بتدابير تحمي الأطفال وتوفر لأسرهم بدائل واقعية ومستدامة.
وتعتمد الآلية الجديدة على تعبئة 17 مؤسسة وهيئة وطنية ودولية، في إطار مقاربة تشاركية تستهدف تنسيق التدخلات وتوحيد الجهود المرتبطة برصد الأطفال العاملين وحمايتهم وإعادة إدماجهم.
ومن المرتقب أن تمر هذه المنظومة عبر تجربة نموذجية تتيح اختبار آليات الاشتغال وتقييم نتائجها، قبل الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي على الصعيد الوطني.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن نجاح أي برنامج لمكافحة تشغيل الأطفال يظل مرتبطاً بمدى قدرته على الوصول إلى الحالات التي يصعب رصدها، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين، فضلاً عن توفير المواكبة اللازمة للأطفال وأسرهم بعد إخراجهم من سوق العمل.
وتتجاوز ظاهرة تشغيل الأطفال مسألة اشتغال القاصرين في أنشطة اقتصادية، لتطرح أسئلة أعمق بشأن الأوضاع الاجتماعية للأسر، ومدى قدرة السياسات العمومية على الحد من الهشاشة وضمان استمرارية التمدرس.
فحين تضطر أسرة إلى الاعتماد على دخل طفلها لتلبية احتياجاتها اليومية، تصبح إعادة إدماجه في المدرسة تحدياً يتطلب أكثر من قرار إداري أو تدخل ظرفي. كما أن انقطاع الطفل عن الدراسة أو ضعف ارتباطه بالمدرسة قد يزيد من احتمالات استمراره في العمل، بما يحد من فرصه المستقبلية في التكوين والتشغيل اللائق.
وتزداد أهمية هذه الإشكالية في الأنشطة التي قد تعرض الأطفال للاستغلال أو المخاطر الصحية والجسدية والنفسية، الأمر الذي يجعل حماية القاصرين مسؤولية مشتركة تستدعي يقظة المؤسسات المعنية، إلى جانب الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ويضع إطلاق الآلية الوطنية الجديدة مكافحة تشغيل الأطفال أمام اختبار التنفيذ والتقييم، إذ لن تقاس نجاعتها بمجرد عدد المؤسسات المشاركة أو الحالات التي يتم رصدها، وإنما بمدى قدرتها على إخراج الأطفال فعلياً من ظروف العمل غير الملائمة، وضمان عودتهم إلى الدراسة أو إدماجهم في مسارات تربوية مناسبة، مع توفير الحماية الاجتماعية لأسرهم.
كما يظل الرهان مرتبطاً باستمرارية المواكبة وتقييم النتائج على أرض الواقع، حتى لا تتحول التدخلات إلى حلول مؤقتة تنتهي آثارها بمجرد انتهاء البرامج أو توقف الدعم.
وبين التراجع الكبير المسجل خلال العقود الماضية واستمرار عشرات الآلاف من الأطفال في مزاولة أنشطة اقتصادية، يظل القضاء على تشغيل الأطفال ورشاً مفتوحاً يتطلب سياسات اجتماعية أكثر استهدافاً، وتعزيزاً للحماية المدرسية والأسرية، وتطبيقاً للقوانين ذات الصلة.
فالطفل الذي يجد نفسه في سوق العمل قبل أوانه لا يحتاج فقط إلى قرار بسحبه من العمل، بل إلى ضمانات حقيقية تمنحه فرصة التعلم والنمو في ظروف تحفظ كرامته وحقوقه، وتمنع انتقال الهشاشة من جيل إلى آخر.










