الشاي المغربي بين التحليل والتحريم والرفض والإقبال
القنيطرة : الخياطــي الهاشمــي
الشاي المغربي أو ما يسمى بأتاي ،هو جزء من حياة الشعب المغربي ومن تراثه ،حيث أصبح من العادات العالمية المشهورة ،وذلك لما يمتاز به من مذاق متميز . و بدا تناوله في المغرب عادة شائعة على نطاق واسع، وفي شتى مجالات العمل تقريبا .
ومما يتضح من النصوص والمصادر القديمة ، نجد أن الشاي لاقى في البداية مقاومة شديدة من طرف الفقهاء ورجال الدين، الذين واجهوه بالتحريم ،على اعتبار أن جلسة الشاي في مستواها الطقوسي، هي امتداد لجلسات خمرية ،وأن الشاي ينتمي إلى فئة المشروبات المنبهة ،وتؤكد بعض المؤلفات أنه نتج خلاف حاد بين الفقهاء، إلى أن بلغ درجة المجابهة ،وكثرة النوازل الفقهية والفتاوى ،التي تبرز مواقف هؤلاء الفقهاء من هذه القضية ،وكثر الجدال بين محرم ومبيح لتناول هذا المشروب ،وذهب بعضهم إلى القول بأن الشاي حرام على الإطلاق ،واعتمدوا في حججهم ،على أنه مضر بالأجسام ،وكل مضر بصحة الإنسان فهو حرام ،وأنه في هيئته وآنيته يشبه الخمر ،كما أنه يشغل عن عبادة الله ،لذلك رأى هؤلاء الفقهاء ،أن الشيء إذا لاحت فيه عوارض المنع ،وجب تركه لأنه حرام .
وورد في كتاب : “من الشاي إلى أتاي ـ العادة والتاريخ “، نقلا عن المعسول للمختار السوسي أن الحاج البيشروي (ت 1931 م) من أسرة عالمة ومدرس ،نبه من شرب الشاي لتشبيهه له بالخمر،كما أن قاضي مكناس أحمد بن عبد الملك العلوي ( ت 1826 م ) كان قاضيا بجماعة فاس ـ مكناس ،وكان لا يقبل شهادة شارب الشاي .كما حذر الفقيه الشنقيطي من الشاي، لأنه يلهي عن أداء الصلاة في وقتها ،وأن له أضرارا صحية خصوصا عند شربه على الريق ،مما يسبب ألما في البطن ،وأنه يؤدي إلى الاختلاط بالعبيد والصبيان لملازمتهم لمواضيع شربه ،وسماع الغيبة والنميمة والكلام الفاحش ،والكذب من الأراذل الذين يجتمعون لشربة ،كما تسقط المروءة بالمواظبة عليه ،،ومن تحريمه أيضا أنه يؤدي إلى الاختلاط بالنساء مما يجر إلى الثرثرة والتباغض وإذكاء الأحقاد بين الأحباء.
وفي باب آخر نصح الفقيه الشيخ الإلغي الدرقاوي بعدم شربه دون أن يحرمه ،فكانت حالة الفاقة ،وما يجاريها من إدمان شربه شكلت عبئا ثقيلا على شاربه ،مما جعل الشيخ الدرقاوي يصف الشاي بأنه نقمة على الناس حيث يكلفهم كثيرا ،وأنشد أبياتا في هذا الصدد:

إن الأتاي لنقمة ما مثلها من النقمة إلا مسيس الجنة
وجاء في منظومة شعرية أخرى ما يحرم الشاي أيضا، لكاتبها العربي المشرفي في قصيدته إثمد فيمن بعد الله يوفون يقول :
إن الأتاي شهوة مضر مضرة تفضي لجلب الهم والخسران
تبا لكل تاجر يسعى بها وأتـى لمسلم شهوة شيطان
وفي أحاديث أخرى يأتي عن بعض الفقهاء تحريم الشاي بناء على موقفهم السلفي من مادة السكر،التي زعموا أن الدم وبعض المواد العضوية الأخرى تدخل في طريقة صنعه وتصفيته ،وبذلك يصبح غير طاهر ،مما حدا بمولاي سليمان نجل السلطان سيدي محمد بن عبد الله ،إلى إيفاد مبعوث خاص إلى بعض الدول الأوربية المصدرة للمغرب مادة السكر، بقصد التحري عن كيفية صناعة السكر ،وعند عودته أخبر بطهارة أصله وإباحة فروعه .
ومن ذلك الزمان رد علماء آخرون بإباحة الشاي من بينهم العلامة الأديب سليمان الحوات الذي ذكر في منافع الشاي ما قوله :
وهم بشربكم أتاي فإنه حلال وليس في الحلال ملام
لكن نجد موقفا وسطا ،فهناك بعض الفقهاء من لم يقطع في هذا الأمر مثل الشيخ محمد بن المؤيد بن سيدي ،الذي أورد في فتواه الصادرة سنة 1925م مايلي : “الرأي عندي السكوت عن الخوض في حكم أتاي ،لأن ابن عباد نص في رسائله ، أنه لا يجوز لأحد أن يقول بتحريم شيء إلا إذا كان في محكمة ،أو سنة متواترة أو إجماع”.
أما الشاعر محمد بن عبد الواحد الفاسي يقول في مدح الشاي :
شرب الشاي نعمة من النعم فيه من الراحة حظ علما
وإن تجيء عن حكمه مستعتبا فهو حلال ذا الحكم أبرما
وعرف الشاي انفعالا بين الخطاب والممارسة داخل التراتب الاجتماعي ،واحتفضت كتب التاريخ بوقائع محاربة الشاي من طرف القضاة والفقهاء ،أو دعاة وسلاطين ،غير أن مصادر أخرى تشير إلى أن شرب الشاي تسرب إلى مختلف الأوساط ،بما فيها أوساط بعض العلماء والأولياء ،واتخذت المسألة تعاقبا حقيقيا بين موقف الرفض والقبول ،والإباحة والتحريم ،لكن سرعان ما اقترن الشاي بقيم العائلة والضيافة ،وأصبح في الواقع ثمرة لتطورات معقدة تمت داخل حيز زمني قصير ،تميزت بغزو الشاي جميع طبقات المجتمع المغربي ،وجاء الحديث عن الشاي في أكثر من مقالة وكتاب بوصفه وسيطا للأكل والحكي والضيافة وناظما لحياة الفقراء ،وأصبح لا يعد مجرد مشروب يومي يتخلل الأكل والكلام والسهر والضيافة والحفلات ،بل تعدى ذلك ليشكل نوعا من طقس له شروطه ،وصناعة شعبية رائجة ،واشتغل المثقفون المغاربة والأجانب على موضوع الشاي، بوصفه جزءا من المتخيل الجماعي ،والهوية المغربية ،لذلك أصبح له حضور في الشعر الشعبي وفي الأغاني والقصائد بمختلف اللهجات ،وكذلك في الفن التشكيلي ،وخرج إلى العلن في المقاهي الشعبية لشكل أيضا في هذا الفضاء نوعا من الطقسية المختلفة .غير أن مع مرور الزمن وتسارع وثيرة الحياة ،بدأ الشاي يعرف تفككا في الطقوس وتراجعا في احتكاره لمخيال الشراب والمتعة ،بعد أن تدخلت مشروبات أخرى في الأوساط العائلية ،ولم يعد الشاي كما كان رمزا للعناية والتشريف بل تحول إلى مشروب عادي .
الخياطي الهاشمي









