الأستاذة عبلة بوزكري محامية بهيئة القنيطرة
ليست قوة الدول في عدد التوقيفات التي تعلن عنها، ولا في البلاغات الأمنية التي تصدرها بعد كل عملية، وإنما في الطريقة التي تُدار بها العدالة بعد انتهاء الضجيج الإعلامي. فالدولة التي تطبق القانون بثقة، لا تخشى أن تُخضع إجراءاتها لميزان الحقوق، ولا تعتبر احترام الضمانات القانونية تنازلاً عن هيبتها، بل دليلاً على رسوخ مؤسساتها.
إعلان السلطات الجزائرية توقيف 18 مواطناً مغربياً، ضمن مجموعة من 23 شخصاً، للاشتباه في الإعداد للهجرة غير النظامية عبر سواحل وهران، يفتح باباً أوسع من مجرد خبر أمني. فالقضية لا تتعلق فقط بمحاولة عبور البحر، وإنما باختبار حقيقي لقدرة المؤسسات القضائية على الفصل بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العدالة.
لا أحد يجادل في حق أي دولة في حماية حدودها ومحاربة شبكات تهريب البشر، فهذا حق سيادي تكفله القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. لكن السيادة لا تُقاس فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على التوقيف، بل أيضاً بقدرة القضاء على توفير محاكمة عادلة، تضمن قرينة البراءة، وحق الدفاع، وشفافية الإجراءات، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو إعلامية.
وفي العلاقات المغربية الجزائرية، حيث يطغى التوتر السياسي على كثير من الملفات، تصبح مثل هذه القضايا أكثر حساسية. فكل إجراء قضائي يتعلق بمواطنين من البلدين يكون عرضة للتأويل والاستثمار السياسي، وهو ما يفرض على المؤسسات القضائية مضاعفة الحرص على الاستقلالية والحياد، حتى لا تتحول الملفات الجنائية إلى مادة جديدة لتغذية الخلافات القائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المواطنين المغاربة الموقوفين من التواصل مع التمثيلية القنصلية للمملكة المغربية ليس امتيازاً سياسياً، ولا مطلباً تفاوضياً، بل حق قانوني أصيل تكفله اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، شأنهم في ذلك شأن أي أجنبي يوجد رهن التوقيف في أي دولة. واحترام هذا الحق يعزز الثقة في الإجراءات القضائية، ويؤكد أن القانون يسمو على الخلافات السياسية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول قضية الهجرة غير النظامية إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات بين الدول. فالمهاجر غير النظامي، في نهاية المطاف، هو إنسان دفعته ظروف مختلفة إلى المجازفة بحياته، بينما تبقى الشبكات التي تستغل حاجته هي المستفيد الحقيقي من هذه المآسي. لذلك فإن نجاح أي مقاربة لا يقاس بعدد الموقوفين فقط، بل بمدى قدرتها على تفكيك التنظيمات الإجرامية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الظاهرة.
إن الرهان اليوم ليس على إصدار أحكام مسبقة، ولا على استثمار القضية في السجال السياسي، وإنما على أن يبرهن القضاء الجزائري على استقلاليته الكاملة، وأن تُحترم جميع الضمانات القانونية للموقوفين، وأن يُترك الفصل في الوقائع للأدلة والمحاكم، لا للعناوين المثيرة أو الاصطفافات السياسية.
فالعدالة الحقيقية لا تُعرف عندما يكون المتهم من أبناء الوطن، وإنما عندما يكون أجنبياً، وتظل حقوقه مصونة بالقانون ذاته، دون تمييز أو انتقاص. عندها فقط، تتحول هيبة الدولة من شعار يُرفع، إلى ممارسة تُحترم، ويصبح القانون أداة للإنصاف لا مجرد وسيلة للعقاب.







