بقلم: الأستاذ زهير أصدور
كان الناس في ما مضى، حين يسقط أحدهم، يشيحون بوجوههم حياءً. يطوون الصفحات بصمت، ويُمسكون الألسنة خشية أن يضيفوا إلى الجرح جرحًا. كان للستر حرمة، وللوجع حرمة، وللسقوط — مهما كان موجعًا — مساحة للتماسك والنجاة. وكان في المجتمعات شيء من الرحمة، يعلو على نشوة الانتقام، ويتجاوز لذة التشفي.
كان الناس يفرّقون بين الخطأ والإنسان، بين الزلة والنية، بين الضعف والشر. وكانوا يدركون أن لحظات الانهيار لا تُسجَّل، بل تُنسى. لا تُعلَّق، بل تُطوى. لا تُتداول، بل تُترك للستر والنجاة والصلاة الصامتة.
أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء.
لم يعد الخطأ خطأ فقط، بل أصبح فرجة. أصبح المحتوى الذي يُنعش الخوارزميات ويصنع “الترند”. لحظة انهيار إنسان ما، تحت وطأة الانفعال، المرض، الإدمان، أو الاضطراب، لم تعد مأساة فردية. صارت فرصة ذهبية للهواتف أن توثّق، وللأصابع أن تكتب، وللجمهور أن يضحك، ويسخر، ويجلد.
صار كل مشهد ألم مقطع فيديو. كل سقطة “هاشتاغ”. كل معاناة عرضًا مسليًا في مسرح اللاشفقة. تحول الإنسان إلى سلعة بصرية، والمأساة إلى منشور تفاعلي.
صرنا لا نرى الإنسان، بل نرى “محتوى”. لا نسمع صوته الداخلي، بل نحصي عدد التعليقات والرموز الساخرة على وجهه المنهار. وكلما ازداد الوجع في الفيديو، ارتفعت نسب المشاهدة، وزادت الأرباح، واشتدت القسوة.
وتعمدت أن أطوي عنكم أسماءً ووقائعَ شهدت تشهيرًا ومحاكماتٍ شعبية، لا خوفًا، بل حرصًا على ألا أكون سببًا في نكء جراحٍ لم تندمل، أو إحياء ألم بالكاد هدأ.
كأنّ الناس لم يعودوا يسألون: هل هو بخير؟ ماذا جرى له؟ هل من خطبٍ ما؟
بل يسألون: من صوّر؟ هل انتشر؟ كم حقّق من مشاهدات؟
وكأننا لا نرتبك من أن نخطئ، بقدر ما نرتجف من أن يُوثَّق خطؤنا.
صرنا نخشى الكاميرا أكثر من العقوبة. نخاف التشهير أكثر من القانون. نرتبك من الهواتف أكثر من المحاكم. لم يعد المجتمع مجرّد رقيب، بل تحوّل إلى قاضٍ وجلّاد يتخفّى خلف شاشة، يوزع الأحكام بلا شفقة، يلوّح بالإلغاء بلا استئناف.
نعم، لا أحد فوق القانون.
ونعم، ما من عذر لسلوك يهين كرامة الناس أو ينتهك القيم.
لكن متى أصبح العقاب بالتشهير؟
متى تحوّل الستر إلى تواطؤ؟
متى صرنا نصدّق أن الفضيحة تطهّر، وأن التفاعل يغني عن المحاسبة؟
ومتى صار الخطأ الإنساني جريمة أبدية لا يغسلها الاعتذار، ولا تشفع لها التوبة؟
ما يقع كل يوم، يعيدنا إلى سؤال حارق:
هل مات فينا ذاك الجزء الذي يستر، يعذر، يترفق، ويؤمن بالفرص الثانية؟
هل ماتت المروءة؟
هل صارت الرحمة ضعفًا، والستر خيانة، والعفو سذاجة؟
في زمن اللاّستر، نحن جميعًا مهددون.
كل لحظة ضعف، كل زلة، كل سقوط، قد يُوثَّق، ويُسجَّل، ويُوزَّع… لكن لن يُنسى.
وهذا هو الوجه الجديد للعقاب:
عقوبة بلا محاكمة، فضيحة بلا دفاع، جلد بلا رحمة.
فهل نملك الشجاعة لنكبح هواتفنا لحظة سقوط غيرنا؟
وهل بقي فينا ما يكفي من إنسانية… لنُبعد الكاميرا ونمدّ اليد بدل أن نُشهر الخنجر؟











