وضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتوطيد ركائز الدولة الاجتماعية ضمن أبرز أولوياته، من خلال حزمة من التدابير التي تشمل الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، ودعم السكن، إلى جانب إصلاح الأسواق والأسعار وتحسين خدمات الصحة والتعليم، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن تحسين أوضاعهم المعيشية.
وجرى عرض هذه التوجهات خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، السبت، بالقصر الملكي بالرباط، والذي خُصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية للسنة المقبلة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية الدولية وتنامي التحديات المرتبطة بتكاليف الطاقة والتمويل.
ويراهن المشروع، وفق بلاغ الديوان الملكي، على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين من خلال إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداء من السنة المقبلة، إلى جانب اتخاذ تدابير تروم تخفيف الأعباء المالية عن الأسر وتعزيز قدرتها على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تظل فيه القدرة الشرائية من أبرز الملفات التي تستأثر باهتمام المواطنين، بالنظر إلى تأثير أسعار المواد الأساسية والخدمات على ميزانيات الأسر، خصوصا الفئات محدودة ومتوسطة الدخل. ويظل الأثر الفعلي للإصلاحات المرتقبة مرتبطا بطبيعة التدابير التي سيجري اعتمادها، ومدى قدرتها على ضبط الأسعار وتحسين شروط المنافسة داخل الأسواق.
ويتضمن المشروع مراجعة قيمة الدعم الاجتماعي المباشر بالزيادة، ومواصلة تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة أنظمتها، فضلا عن استمرار تنفيذ برنامج الدعم المباشر للسكن، بما يعزز آليات الحماية الاجتماعية ويوسع نطاق الاستفادة منها.
وتنتظر الأسر المعنية الكشف عن تفاصيل الزيادات المرتقبة وقيمتها والفئات المستفيدة منها وشروط الاستحقاق، باعتبارها عناصر أساسية لتقييم مدى انعكاس هذه التدابير على مداخيل الأسر وقدرتها على تغطية احتياجاتها الأساسية.
كما يواصل المشروع الرهان على تأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، في إطار توجه يستهدف تحسين جودة الخدمات الأساسية وتقليص أوجه القصور التي تؤثر على ولوج المواطنين إليها، بما يجعل بناء الدولة الاجتماعية مرتبطا، ليس فقط بتوسيع برامج الدعم، وإنما أيضا بتحسين الخدمات العمومية وضمان استدامتها.
وعلى المستوى الاقتصادي، يسعى المشروع إلى التوفيق بين الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والحفاظ على توازنات المالية العمومية، من خلال تحفيز النمو والتحكم في النفقات وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية.
وتشير التوقعات المعروضة خلال المجلس الوزاري إلى تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4,7 في المائة عند نهاية السنة الجارية، مقابل تضخم في حدود 0,7 في المائة، مع تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وتشكل هذه المؤشرات الإطار الاقتصادي الذي تستند إليه الاختيارات المالية المقبلة، فيما يظل التحدي الأساسي هو تحويل النتائج الاقتصادية المتوقعة إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين، عبر تعزيز فرص الشغل وتحسين المداخيل وتوسيع الاستثمار المنتج.
وفي سياق تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، يتضمن المشروع إطلاق برنامج وطني مندمج للفترة 2027-2031، يستهدف توسيع فرص الولوج إلى التعليم والتكوين والشغل، وتيسير الاستفادة من التمويل والمواكبة المهنية.
ويستهدف هذا البرنامج دعم مسارات التكوين والإدماج المهني وتشجيع المبادرات الاقتصادية، بما يتيح للشباب فرصا أوسع للمشاركة في الدورة الاقتصادية. وتظل فعاليته رهينة بمدى ملاءمة برامج التكوين مع حاجيات سوق الشغل، وقدرتها على الاستجابة لتطلعات الباحثين عن فرص مستقرة، فضلا عن توفير آليات مواكبة تضمن انتقال المبادرات من مرحلة التخطيط إلى مشاريع منتجة.
وفي إطار تقليص الفوارق المجالية وتسريع وتيرة التنمية الترابية، يرتقب تخصيص 25 مليار درهم لتنزيل جيل جديد من البرامج التنموية، بالتوازي مع تعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وتشجيع الاستثمار الخاص ودعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
ويعكس هذا التوجه أهمية البعد الترابي في الاختيارات المالية المقبلة، من خلال السعي إلى توسيع نطاق التنمية وتحسين فرص الاستثمار وخلق الثروة ومناصب الشغل، مع إيلاء اهتمام أكبر للمجالات التي تواجه خصاصا في البنيات الأساسية والخدمات وفرص النشاط الاقتصادي.
كما يراهن المشروع على دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة لتحريك الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى دورها في خلق فرص الشغل وتعزيز النسيج الإنتاجي، مع بقاء تحقيق هذه الأهداف مرتبطا بتيسير الولوج إلى التمويل وتبسيط المساطر وتحسين بيئة الأعمال.
الرهان الحقيقي.. تحويل الالتزامات المالية إلى تحسن ملموس في معيش الأسر
ورغم تعدد التدابير الاجتماعية والاقتصادية التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، فإن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى ترجمة هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين، خصوصا فيما يتعلق بضبط الأسعار وتحسين المداخيل وتوسيع الاستفادة من الدعم الاجتماعي والخدمات العمومية.
وتظل تفاصيل الزيادات المرتقبة في الدعم الاجتماعي المباشر، والآليات العملية لإصلاح الأسواق والأسعار، وكيفية تنزيل البرامج التنموية الجديدة، من أبرز الملفات التي تنتظر الأسر والفاعلين الاقتصاديين الكشف عنها خلال المراحل المقبلة.
وبين أهداف الحفاظ على التوازنات المالية وتعزيز الدولة الاجتماعية، يبرز تحدي ضمان وصول ثمار النمو إلى الفئات الأكثر احتياجا، بما يجعل نجاح قانون المالية المقبل مرتبطا بقدرته على إحداث أثر فعلي في القدرة الشرائية، بدل الاكتفاء بمؤشرات اقتصادية إيجابية لا تنعكس بالضرورة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.









