سنوات من الانتظار، عائلات تبحث عن الحقيقة، ومصائر أشخاص ما تزال معلقة بين الصمت والغموض.. ومع حلول اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يعود ملف المختفين في مخيمات تندوف إلى الواجهة، وسط مطالب حقوقية بإنهاء التعتيم وفتح تحقيقات مستقلة تكشف الحقيقة كاملة.
ليس كل ما يُدفن في الصمت يموت. بعض الملفات تظل حية مهما طال الزمن، وبعض العائلات تواصل طرق الأبواب بحثاً عن إجابة واحدة: أين أبناؤنا؟
بهذه الخلفية، عاد ملف الاختفاءات في مخيمات تندوف إلى الواجهة بقوة، بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف 30 غشت، بعدما جددت فعاليات حقوقية مطالبها بفتح تحقيقات مستقلة ونزيهة بشأن أشخاص صحراويين تقول إن مصيرهم ما يزال مجهولاً.
القضية لا تتعلق، وفق هذه المنظمات، بوقائع معزولة أو بملفات انتهت بانتهاء الزمن، وإنما بعائلات ما تزال تنتظر الحقيقة، وبمصائر أشخاص لم تحصل أسرهم على أجوبة نهائية بشأن ما وقع لهم.
والأخطر، بحسب المطالب الحقوقية، أن هذا الملف ظل لسنوات محاطاً بالغموض، في وقت توجد فيه مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، ما يجعل مسؤولية الدولة المضيفة، وفق الطرح الحقوقي، في صلب النقاش.
تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أعاد التذكير، بهذه المناسبة، بعدد من الملفات التي يرى أنها تحتاج إلى كشف الحقيقة، وفي مقدمتها قضية المستشار الخليل أحمد ابريه، التي تحولت إلى واحدة من أبرز الحالات التي تستحضرها المنظمات الحقوقية عند الحديث عن المختفين.
فالسنوات تمر، لكن السؤال لا يتغير: أين يوجد المختفون؟ ماذا حدث لهم؟ ومن يملك الإجابة؟
ويرى حقوقيون أن بقاء عائلات الضحايا في دائرة الانتظار دون تحقيقات مستقلة وشفافة يضاعف معاناتها، ويجعل مطلب الحقيقة أكثر إلحاحاً مع مرور الوقت.
الانتقادات الحقوقية تضع الجزائر أمام مسؤولية مباشرة باعتبارها الدولة التي تقع مخيمات تندوف فوق ترابها.
ولا يعني ذلك، وفق المنظمات الحقوقية، افتراض مسؤوليتها عن كل واقعة اختفاء، وإنما يثير سؤالاً آخر أكثر مباشرة: هل فُتحت تحقيقات مستقلة وفعالة لكشف مصير الأشخاص الذين أُبلغ عن اختفائهم؟
عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” والكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، يرى أن قواعد القانون الدولي تفرض على السلطات المعنية التحرك والتحقيق عندما توجد أسباب معقولة للاشتباه في وقوع اختفاء قسري.
ويؤكد أن حق العائلات في معرفة الحقيقة لا يمكن اختزاله في تعاطف إنساني عابر، بل يرتبط بالعدالة وجبر الضرر ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، داعياً إلى تحقيقات مستقلة والسماح بزيارات ميدانية محايدة وفتح قنوات شفافة مع أسر المختفين.
الحقوقيون يرفعون سقف الضغط: لا يكفي، في نظرهم، الحديث عن حقوق الإنسان في المحافل الدولية بينما تبقى عائلات تنتظر معرفة مصير أقاربها.
ويعتبر الكاين أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع ملفات الاختفاء القسري بعيداً عن الانتقائية والحسابات الجيوسياسية، لأن الضحية، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد رقم في معادلة سياسية.
أما زين العابدين الوالي، رئيس المنتدى الإفريقي للأبحاث والدراسات في حقوق الإنسان، فيعتبر أن حالات الاختفاء المبلغ عنها في مخيمات تندوف تستوجب اهتماماً دولياً، مشيراً إلى أن حرمان الأسر من معرفة مصير أبنائها يمس حقوقاً أساسية، بينها الحق في الحقيقة والعدالة والانتصاف.
وبحسب الوالي، فإن مسؤولية الجزائر لا ترتبط فقط بمدى ثبوت كونها الفاعل المباشر في كل حالة، بل تشمل أيضاً واجب حماية الأشخاص الموجودين فوق ترابها والتحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها.
وسط هذا الجدل، تبرز قضية الخليل أحمد ابريه باعتبارها إحدى الحالات التي ما تزال تستحضرها المنظمات الحقوقية للمطالبة بكشف المصير والحقيقة.
وتقول هذه المنظمات إن استمرار الغموض حول مثل هذه الملفات يطرح أسئلة محرجة حول مدى فعالية آليات التحقيق والمساءلة، وحول ما إذا كانت عائلات المختفين ستحصل أخيراً على إجابات واضحة.
فبالنسبة إلى الأسرة، لا توجد قضية قديمة عندما يتعلق الأمر بمصير أب أو ابن أو قريب اختفى دون أن تعرف العائلة أين انتهى به المطاف.
المنظمات الحقوقية لا تكتفي بتوجيه المطالب إلى الجزائر، بل تضع أيضاً الآليات الأممية أمام مسؤولياتها، داعية إلى مواصلة توثيق الحالات وإيصالها إلى المؤسسات الدولية المختصة، والعمل من أجل تحقيقات مستقلة وشفافة.
وتؤكد هذه الفعاليات أن أي حل سياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء لا ينبغي أن يطوي الملفات الإنسانية المتعلقة بالضحايا والمختفين، لأن المصالحة السياسية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقيقة والعدالة.
اليوم، وبعد سنوات من الغموض، يعود ملف مختفيي تندوف ليطرح نفسه من جديد وبحدة أكبر.
عائلات تريد الحقيقة، وحقوقيون يريدون تحقيقات مستقلة، ومجتمع دولي مطالب بإثبات أن حقوق الإنسان لا تتجزأ.
أما السؤال الذي لا يزال معلقاً، فهو الأكثر بساطة والأكثر إيلاماً:
أين المختفون؟ ومن سيجيب عائلاتهم؟
ففي ملفات الاختفاء القسري، قد يطول الصمت، وقد تتغير الأجيال، وقد تتبدل الحسابات السياسية، لكن حق العائلة في معرفة الحقيقة لا يسقط بالتقادم.









