حين تتحول الانتخابات إلى “رهان على الورقة الخاسرة”
الخياطــي هــاشــم
تشهد الساحة السياسية بمدينة مكناس خلال هذه الأيام، اختزالًا مقلقًا لرهانات الاستحقاقات الانتخابية في صورة مواجهة غير متكافئة بين أطراف تختلف بشكل واضح من حيث القوة التنظيمية والجاهزية الميدانية. واقع يفرز مشهدًا سياسيًا غير متوازن، تتقدم فيه بعض القوى بثقة مدعومة بإمكانيات بشرية ولوجستية معتبرة، بينما تجد أطراف أخرى نفسها في موقع دفاعي هش، عاجزة عن مجاراة نسق المنافسة الحقيقية.
في خضم هذا المشهد، يبرز تعبير “الرهان على الورقة الخاسرة” كعنوان عريض لاختيارات سياسية تبدو، في ظاهرها، وفاءً للانتماء الحزبي أو التزامًا بالخط التنظيمي،أو ضدا في أحد الأحزاب المنافسة ، لكنها في العمق تفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية السياسية. فميزان الانتخابات لا يُقاس بالشعارات ولا بحسن النوايا، بل بمدى القدرة على الإقناع، وحجم الحضور الميداني، وقوة الارتباط بقضايا المواطنين.
وتؤكد تجارب انتخابية سابقة بمكناس أن الدفع بمرشحين يفتقرون إلى قاعدة انتخابية صلبة أو إلى إشعاع محلي فعلي، غالبًا ما ينتهي إلى نتائج مخيبة للآمال، لا تعكس فقط ضعف الأداء، بل تكرّس أيضًا منطق الهزيمة المتكررة. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب إصرار بعض التنظيمات على إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الأساليب، دون الجرأة على القيام بقراءة نقدية للتحولات الاجتماعية والسياسية التي تعرفها المدينة.
الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من الرهانات لا ينعكس فقط على حظوظ الأحزاب المعنية، بل يمتد أثره إلى ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها. فحين يغيب التنافس الحقيقي، وتُطرح أسماء لا تمتلك أدوات الإقناع، يتعزز الإحساس لدى الناخب بأن الخيارات المتاحة محدودة، ولا ترقى إلى مستوى تطلعاته، مما يغذي العزوف ويُضعف دينامية المشاركة.
إن تجاوز هذا الاختلال يفرض على الفاعلين السياسيين بمكناس مراجعة عميقة لآليات اشتغالهم، خاصة في ما يتعلق بمنهجية اختيار المرشحين. فمرحلة ما قبل الانتخابات لا تقل أهمية عن يوم الاقتراع، بل هي التي تحدد، في العمق، طبيعة العرض السياسي المقدم للناخب. ومن هنا، يصبح من الضروري القطع مع منطق المجاملة والحسابات الضيقة، واعتماد معايير واضحة ترتكز على الكفاءة، والنزاهة، والقرب من المواطنين، والقدرة على الترافع الفعّال عن قضايا المدينة.
في نهاية المطاف، تظل الانتخابات لحظة حاسمة لاختبار مصداقية الفاعل السياسي، حيث لا مكان للرهانات الخاسرة في معادلة تحكمها ثقة المواطن، وتُحسم نتائجها بميزان الواقعية لا بمنطق الأمنيات. وبين خطاب الطموح وواقع الممارسة، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة المعنى الحقيقي للمنافسة السياسية، كمدخل أساسي لأي تغيير ممكن.









