ظلت اللقاءات الكروية بين المغرب والجزائر وتونس ومصر ؛ رغم ما يطبعها من أجواء ندية ومنافسة حامية، تتميز بالروح الرياضية والود، وحدث ذلك حتى في أسوأ المراحل التي كانت تجتازها العلاقات، مثل فترة حرب الصحراء في نهاية سبعينيات القرن الماضي. وتشكل حادثة الاعتداء على عناصر من المنتخب المغربي للشباب في نهائي كأس العرب في شتنبر الماضي بالجزائر العاصمة، نشازا في التاريخ الكروي بين البلدين.
وتأتي احتفالات الجماهير الجزائرية والتونسية والمصرية والدول العربية والإفريقية بأجمعها بانتصارات المنتخب المغربي على بلجبكا والبرتغال وتعادلة مع كرواتيا ، لا يمكن اعتبارها حدثا عابرا أو مألوفا في قاموس توحّد المشاعر المغاربية أو العربية أو حتى الأفريقية، عندما يواجه منتخبا يمثل المنطقة في فعاليات رياضية عالمية كمونديال قطر 2022.
وفي مشهد مؤثر لا يخلو من الروح الرياضية والتعاطف والتقارب بين الشعبين الشقيقين المغربي والتونسي رغم خلاف الحكومتين ، شهد شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس خروج آلاف المشجعين التونسيين يرفعون الرايات المغربية والتونسية ، احتفالا بعبور المنتخب المغربي إلى دور نصف النهائي في مونديال قطر. وأشعل المحتفلون في الشارع الشهير، الذي يُعَد الميدان التاريخي لاحتفالات التونسيين ومظاهراتهم واحتجاجاتهم، الشماريخ وصدحت حناجرهم بالأهازيج المغاربية.
فاحتفالات التونسيين في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، رغم كونها تجسد التعبير عن مشاعر مغاربية عميقة في المجتمع التونسي، جاءت أيضا في سياق محلي مأزوم على أصعدة كثيرة وهي تعبير عن حسرة الجماهير التونسية لخروج منتخبهم المبكر من المنافسة، رغم تحقيقه إنجازا تاريخيا بالفوز على فرنسا بطل العالم. فكان لافتا أن يخرج تونسيون بكثافة للاحتفال بعبور المنتخب المغربي لدور الثمانية، ونصف الربع ، ولم ترفع فقط أعلام المغرب في فعالية الاحتفال، بل أنشد الحضور أغنية “الواد وادي يا سيدي .. والعيون عينيا” الشهيرة لفرقة “جيل جيلالة” المغربية التي تتغنى بمغربية الصحراء.
وبخصوص موقف الجزائر من تشجيع المنتخب المغربي والاحتفال ببطولاته في مونديال قطر ، يرى محللون أن احتفالات الجزائريين في ميادين متابعة المونديال والمقاهي وعلى جنبات الحدود المغلقة بين البلدين وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بانتصارات المنتخب المغربي، تكتسي أهمية خاصة تتجاوز مجرد المشاعر المألوفة في مثل هذه السياقات. وفضلا عن حالة الإحباط التي أصابت الجماهير الجزائرية لظروف إقصاء منتخب بلادهم وعدم وصوله إلى نهائيات مونديال قطر، تأتي احتفالات الجزائريين بمنتخب الجار المغربي في ظل توتر العلاقات بين الحكومتين وليس بين الشعبين وفشل محاولات وساطة عديدة قامت بها عواصم عربية وخليجية بالخصوص، آخرها كانت للملك الحسين أخيرا ، بل حتى القمة العربية نفسها، التي احضنتها الجزائر قبل شهر ،وكان شعارها “شتت الشمل “عفوا “لم الشمل العربي”.

وبينما ترتفع أصوات المشجعين الجزائريين للمنتخب المغربي مع تقدمه في أطوار نهائيات كأس العالم في قطر، تبدو بعض وسائل الإعلام الجزائرية وخصوصا قنوات تلفزية حكومية في حالة ارتباك في التعامل حتى مع أخبار نتائج مباريات المونديال ،عندما يفوزالمغرب، حيث يتم مثلا بث خبر “اقصاء إسبانيا بضربات الترجيح” دون ذكر المنتخب الفائز!
فيما يؤشر إلى “صمت حرج” للسياسة والإعلام الرسمي الجزائري، الذي هيمن على قاموسه في السنتين الأخيرتين بالخصوص خطاب حادّ وكأن البلدين في حالة حرب، على حد وصف الكاتب الصحفي الجزائري سعيد أرزقي، في مقال له بمجلة “جون أفريك”، الصادرة في باريس.
وفي غضون ذلك، يلوذ الرسميون في الجزائر، الذين ترأس بلادهم القمة العربية، لحد الآن، بالصمت إزاء وصول أول منتخب عربي إلى نصف نهائي المونديال في تاريخ اللعبة. وبخلاف ما اعتاد عليه الزعماء العرب والأفارقة بتبادل التهاني في مثل هذه المناسبات، حيث وجه الملك محمد السادس رسالة تهنئة للرئيس عبد المجيد تبون بمناسبة فوز المنتخب الجزائري في كأس الأمم الأفريقية سنة 2019، لم يوجه قصر المرادية في الجزائر رسالة مشابهة للقصر الملكي في الرباط، التي تلقى رسائل تهاني من جميع ملوك وزعماء عرب وأفارقة، بإنجازات منتخب “أسود الأطلس” التاريخية باعتباره ممثلا للعرب والأفارقة ولأول مرة في التاريخ الكروين.
فهل تؤثر أجواء التضامن الشعبي المغاربي ومياه كرة القدم المتسربة من شقوق جدران سياسة الانقسامات المغاربية ، في تغيير وقائع سياسة الجفاء التي طال أمدها في المنطقة؟ وهل ستساهم في تعقيد أوضاع وأزمات بلدانها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما تتسبب في إضعاف قدرات دولها في خارطة المنافسة العالمية على مستوى جميع وخاصة الاقتصادية ؟










