مستجدات

هل سمعتم من قبل عن “دولة” تعيش في الخيال أكثر مما تعيش على الأرض؟

[ALLNEWS]4 مارس 2026
هل سمعتم من قبل عن “دولة” تعيش في الخيال أكثر مما تعيش على الأرض؟

هاشــم الخياطــي

هل صادفتم في كتب الجغرافيا دولة بلا أرض بلا حدود ، وفي كتب القانون كياناً بلا سيادة، وفي نشرات الأخبار “حكومة” لا تحكم سوى خيام مهلهلة ؟ إن لم تسمعوا، فلا بأس… فالتاريخ السياسي المعاصر أهدانا هذه الطرفة الثقيلة المسماة جبهة “البازاريو “عفوا البوليساريو.

هي حالة تستحق فعلاً إدراجها في موسوعة الغرائب: “جمهورية” تُرفع لها الأعلام وتُعقد باسمها الندوات، لكنها لا تملك شبراً مستقلاً من التراب، ولا اقتصاداً قائماً، ولا مؤسسات ذات سيادة معترف بها دولياً. جمهورية من ورق مقوّى، تعيش على بيانات حماسية أكثر مما تعيش على معطيات واقعية.

الطريف في القضية ، أن قادتها يتقمصون أدوار رؤساء ووزراء وسفراء في الخيال ، بخطابات واهية وأختام وألقاب، كأنهم يديرون شؤون دولة عظمى. في الواقع، لا تتجاوز سلطتهم حدود مخيمات تندوف، حيث يقيم آلاف المحتجزين  المقهورين منذ  خمسة عقود في ظروف إنسانية صعبة، رهائن حسابات سياسية لا تنتهي. هناك، تتحول “القضية” إلى مورد دائم، وتصبح المعاناة رأسمالاً سياسياً يُستثمر كل موسم.

أما على مستوى الشرعية الدولية، فالأمم المتحدة لم تعتبر يوماً هذا الكيان دولة قائمة بذاتها، بل طرفاً في نزاع إقليمي  مفبرك تُبحث تسويته ضمن مسار سياسي معروف. ومع ذلك، يستمر بيع الحلم القديم لجيل جديد، على أنه مشروع دولة ينتظر فقط “لحظة تاريخية” لن تأتي.

المفارقة الساخرة أن هذه “الدولة”  أو الدويلة توجد داخل أراضي دولة أخرى تسمى نفسها القوة “الضاربة “، وتتحرك تحت سقفها المهترء، ومع ذلك تتحدث عن سيادة وحدود وعلاقات خارجية. كأن طفلاً يرفع طائرة ورقية في سماء عاصفة، ويقنع نفسه أنه يملك الأفق.

ليست القضية هنا في الشعارات، بل في الحقائق: دويلة بلا أرض فعلية مستقلة، بلا سكان يمارسون سيادتهم بحرية، بلا مؤسسات معترف بها دولياً، وبلا اقتصاد قائم بذاته… ومع ذلك تُقدَّم كأنها مشروع جاهز للتصدير.

إنها بالفعل واحدة من أطول المسرحيات في السياسة المعاصرة: ديكور قديم، خطاب مكرر، وجمهور محدود ما زال يصفق بدافع الحسابات لا القناعة. أما السؤال الساخر الذي يظل معلقاً: كم من الوقت يمكن لكيانٍ يعيش على البيان أكثر مما يعيش على الواقع أن يستمر قبل أن يكتشف أن التاريخ لا يكتب بالحبر وحده، بل بالوقائع على الأرض؟

ولأن لكل مسرحية فصولاً، فإن الفصل الأكثر إثارة في هذه الحكاية هو ذاك الذي يُعاد بثّه كل سنة تقريباً: مؤتمر “استثنائي” يؤكد الثوابت نفسها، ويجدد الوعود ذاتها، ويعيد انتخاب الوجوه  الشاحبة نفسها، ثم ينفضّ الجمع على إيقاع الشعارات الكبرى… لتعود الحياة في المخيمات إلى رتابتها القاسية، وكأن شيئاً لم يكن.

الغريب أن الخطاب لا يتغير، رغم أن العالم من حوله تغيّر كثيراً. خرائط النفوذ تبدّلت، والتحالفات الدولية أعادت ترتيب أولوياتها، ومفهوم الدولة ذاته أصبح مرتبطاً بالتنمية والاستقرار والمؤسسات الفاعلة. وحدها “الجمهورية الوهمية ” بقيت معلّقة في زمن الحرب الباردة، تتغذى على أرشيف قديم، وشعارات لم تعد تقنع حتى من يردده.ا وتعيش على قاموس  مساعدات دولية تنهب في واضحة المهار ولا أحد يحتج.

ثم تأتي المفارقة الأكبر: بينما تمضي الأقاليم الجنوبية للمملكة  المغربية في مسار تنموي واضح، ببنيات تحتية واستثمارات ومشاريع كبرى، يظل خطاب الجبهة يدور في حلقة مفرغة، يَعِد بدولة لا يشرح كيف ستعيش، ولا من سيمولها، ولا كيف ستضمن لمواطنيها أبسط مقومات الكرامة الاقتصادية. دولة بلا ميزانية، بلا عملة، بلا موانئ، بلا مطارات… لكنها غنية جداً بالبلاغات الكاذبة .

وإذا كان لكل مشروع سياسي مقومات، فإن أولها القدرة على الإقناع الواقعي. غير أن الإقناع هنا يتحول إلى تمرين خطابي طويل، تُستعمل فيه كلمات مثل “الشرعية” و”التحرير” و”الاستقلال”  وتقرير المصير بكثافة، حتى تفقد معناها. فالدولة لا تُبنى بالتكرار، ولا تُصنع بالبيانات، ولا تُدار بالحنين إلى لحظة لم تتحقق.

في النهاية، قد يختلف الناس في المواقف، وقد تتباين القراءات، لكن السخرية تبقى مشروعة حين يتحول الوهم إلى مشروع دائم، وتصبح الخيمة بديلاً عن المؤسسة، والشعار بديلاً عن التنمية، والانتظار بديلاً عن الحلول الواقعية.

وهكذا تستمر المسرحية البوليساروية… عرضٌ طويل بلا جمهور واسع، ونصّ محفوظ عن ظهر قلب، وأبطال يرفضون الاعتراف بأن الستار قد أُسدل في ذهن العالم منذ زمن. ويبقى السؤال قائماً، لا بسخرية هذه المرة بل بجدية: أليس من حق من يعيشون في المخيمات أن يروا نهاية حقيقية لهذه الحكاية، بدل أن يظلوا وقوداً لفصل جديد من العرض ذاته؟إنهم ينتظرون الساعة التي لا ريب فيها.

 

الاخبار العاجلة
error: تحذير: المحتوى محمي