مستجدات

وزارة العدل أمام اختبار المسؤولية… إلى متى يبقى المتقاضون رهائن أزمة المحامين؟.. إلى متى يبقى المتقاضون رهائن أزمة المحامين؟

طاقم ALLNEWS13 يوليو 2026
وزارة العدل أمام اختبار المسؤولية… إلى متى يبقى المتقاضون رهائن أزمة المحامين؟.. إلى متى يبقى المتقاضون رهائن أزمة المحامين؟

المتقاضي لا ينتظر تبادل المواقف… بل ينتظر العدالة

هاشــم الخياطــي

لم تعد أزمة توقف المحامين عن مزاولة مهامهم مجرد خلاف مهني بين الوزارة وهيئات الدفاع، بل تحولت إلى أزمة تمس صميم مرفق العدالة، بعدما وجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين بين جلسات مؤجلة، وملفات متوقفة، وإجراءات قانونية لا تعرف طريقها إلى التنفيذ. وفي ظل هذا الوضع، يزداد الشعور بأن وزارة العدل لم تنجح حتى الآن في إخراج المنظومة من هذا المأزق الذي يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.

فالمتضرر الحقيقي من استمرار الأزمة ليس المحامي ولا الإدارة، وإنما المواطن البسيط الذي قصد المحكمة بحثًا عن الإنصاف، فإذا به يصطدم بتأجيلات متكررة، وتعطل لمصالح ترتبط أحيانًا بحضانة الأطفال، والنفقة، والنزاعات التجارية، والحقوق الاجتماعية، وقضايا قد تحدد مصير أسر بأكملها.

وأمام هذا المشهد، يطرح الرأي العام سؤالًا مشروعًا: أين دور وزارة العدل في احتواء الأزمة؟ وهل كان التدخل بالسرعة والنجاعة اللتين تفرضهما حساسية قطاع العدالة؟ فمسؤولية الوزارة لا تقتصر على إعداد مشاريع القوانين أو الترويج لأوراش الرقمنة، بل تمتد إلى ضمان استمرارية المرفق القضائي، وفتح قنوات الحوار قبل أن تتحول الخلافات المهنية إلى شلل يطال حقوق المتقاضين اللذين يؤدون أتعاب المحامين من قوت أبنائه

لقد كان المواطن ينتظر مبادرات عملية ورسائل تطمين تؤكد أن حقه في التقاضي لن يصبح رهينة لتجاذبات تشريعية أو مهنية. غير أن استمرار الأزمة دون حلول ملموسة عمق حالة القلق، ورسخ الانطباع بأن إدارة هذا الملف لم ترتق إلى مستوى التحديات المطروحة.

والواقع أن إصلاح منظومة العدالة لا يقاس بعدد النصوص القانونية التي تصدر أو بالمشاريع الرقمية التي يتم الإعلان عنها، بل يقاس بمدى قدرة المؤسسات على بناء الثقة مع مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم المحامون، باعتبارهم شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة، والاستماع إلى ملاحظاتهم قبل أن تتفاقم الخلافات وتنعكس سلبًا على سير المحاكم.

فاستقلال مهنة المحاماة واحترام مكانتها الدستورية لا يتعارضان مع تحديث العدالة، بل يشكلان أحد شروط نجاح أي إصلاح حقيقي. لذلك، فإن تجاوز الأزمة يقتضي شراكة مسؤولة بين وزارة العدل والسلطة القضائية وهيئات المحامين وباقي المهن القانونية، بعيدًا عن منطق التصعيد وتبادل المواقف.

اليوم، تبدو وزارة العدل مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإظهار قدر أكبر من الجرأة في إدارة الأزمة، والانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة المبادرة، عبر حوار جاد ومسؤول يفضي إلى حلول عملية تعيد للمحاكم انتظامها وتحفظ حقوق المتقاضين.سواء أكانوا مواطنين مغاربة أو مستثمرين أجانب.

فالعدالة ليست طرفًا في الخلاف، وإنما هي حق دستوري للمواطن، وكل يوم يمر دون تسوية هذا الملف يضيف معاناة جديدة لآلاف الأسر والمتقاضين، ويؤثر في ثقة المجتمع في مؤسسات يفترض أن تكون الضامن الأول للحقوق والحريات. إن إنهاء هذا المأزق لم يعد خيارًا، بل أصبح مسؤولية وطنية تقع، في المقام الأول، على عاتق وزارة العدل.

ومع اتساع رقعة التأجيلات، بدأت تتراكم ملفات كان من المفترض أن تحسم داخل آجال معقولة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المواطنين في العدالة. فكل جلسة تؤجل تعني انتظارًا إضافيًا، وكل إجراء يتعطل قد يترتب عنه ضرر مادي أو اجتماعي أو نفسي، خصوصًا بالنسبة للأسر التي تعيش نزاعات عائلية أو للمقاولات التي تنتظر الفصل في قضايا تجارية تمس استقرارها المالي.

ولا يكفي في مثل هذه الأزمات الاكتفاء بالتصريحات أو التمسك بالمواقف، لأن إدارة مرفق العدالة تفرض على المسؤولين التحرك بسرعة لاحتواء أسباب الاحتقان قبل أن تتحول إلى أزمة مؤسساتية تؤثر في السير العادي للمحاكم أمام أنظار العالم ،  فالدولة مطالبة بضمان استمرارية المرفق العام، والعدالة في مقدمة هذه المرافق، لأنها ترتبط بحماية الحقوق وصون الحريات.

كما أن الحوار مع هيئات المحامين لا ينبغي أن يكون خيارًا ظرفيًا يفرضه ضغط الأزمة، بل يجب أن يصبح آلية مؤسساتية دائمة تسبق اتخاذ القرارات الكبرى التي تمس المهنة. فالإصلاحات التي تُبنى على التوافق تكون أكثر قابلية للتطبيق وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها، بينما تؤدي الإصلاحات التي تغيب عنها المقاربة التشاركية إلى خلق توترات جديدة قد تعطل مسار الإصلاح نفسه.

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإنهاء إضراب أو تجاوز خلاف مهني، بل باستعادة الثقة في قدرة المؤسسات على إدارة الملفات الحساسة بالحكمة والمسؤولية. فكلما طال أمد الأزمة، اتسعت دائرة المتضررين، وتزايدت كلفة التأخير على المواطنين، وهو ما يجعل من التدخل العاجل ضرورة لا تحتمل المزيد من التسويف.

لقد آن الأوان لأن تضع وزارة العدل مصلحة المتقاضين في صدارة أولوياتها، وأن تبادر إلى إطلاق حوار مسؤول يفضي إلى حلول متوازنة تحفظ هيبة المؤسسات، وتحترم مكانة المحاماة، وتضمن في الوقت نفسه حق المواطن في الولوج إلى قضاء ناجز وفعال. فنجاح أي إصلاح لا يقاس بصدور القوانين وحدها، وإنما بقدرته على تحقيق الاستقرار داخل منظومة العدالة، وترسيخ الثقة في مؤسسة تعد من أهم ركائز دولة الحق والقانون.

 

الاخبار العاجلة